نقد الليبرالية للطيب بوعزة

6868689

من المهم بمكان الاتفاق على تأصيل فكري وفلسفي لمعنى الحرية قبل الانتقال الى محاولة فهم الفكر أو الفلسفة الليبرالية وذلك بسبب جنوح الكثيرين الى اختزال الفكر الليبرالي بالدعوة الى الحرية متناسين النشأة التاريخية والقيمية لليبرالية كفلسفة أو أيدولوجيا يتم الدعوة اليها كأنها الحل الأوحد أو الحتمية النهائية للتاريخ.

إن الحرية كفعل أو إطار قيمي يتمركز بالأساس على مقدرة الإنسان على الإختيار وما يترتب عليها من حالة إدراك ووعي وإرادة ورغبة تتجاوز الحتمية الموضوعية التي تحكم عالم الأشياء (كما يسميها مالك بن نبي) أو العالم البراني (كما يسميها علي عزت بيجوفيتش) أو الطبيعة. ومن هنا يمكننا القول أنه لا يوجد هناك حرية مطلقة فهي بالأساس حرية مقيدة أولاً بسبب انتمائنا أو وجودنا في عالم مادي تحكمه حتميات وجودية تتمثل بدوران الأرض حول الشمس مثلاً أو أننا نتنفس الهواء كي نعيش. كل هذه المحددات لا تنتمي بالضرورة الى الفعل الأخلاقي أو القيمي الذي ينتمي اليه فعل الحرية لكن هي حتميات لا يمكن تجاوزها بالضرورة.

ثَم هنالك أيضاً عوالم أخرى تحكم فعل الحرية وهي العالم الجواني كما يسميها علي عزت بيجوفيتش وهي نزعتنا المستمرة نحو تلك القيم العليا أو المقدسة، نحو فعل الإختيار والإرادة والرغبة. هذه النزعة أو التوق المستمر نحو فعل الاختيار سواء نحونا الى الحقيقة في طلبنا للعلم أو الجمال في طلبنا للفن ونحوها هي طبيعة جبلية خُلق عليها الإنسان أو ما نسميه نحن فطرية التدين. فكل هذه الأفعال هي بالضرورة تكّمل وعينا بوجود قوة أكبر منا قادرة على الفعل.

ومما يزيد من نسبية الحرية وعدم إطلاقها هو انتمائها ونسبتها للإنسان. فعلاقة الإنسان بالإنسان مبنية بالأساس على فعل ناقص لا يكمّله الا انطلاقنا نحو المقدس نحو الله وهي العلاقة التي تمنحه صفة الكمال. أما من ناحية سوسيولوجية (اجتماعية) فنسبية الحرية تنطلق فعلاً من انتمائها الى إطار محدد يتمثل بالييئة أو الموروث الثقافي لأي مجتمع انساني. وإن أردنا مقاربة أكثر واقعية للتباين والتمايز بين المجتمعات وبالتالي نسبيتها وعدم إطلاقها هو ما أورده مالك بن نبي من مقاربة بين قصة إبن طفيل حي بن يقظان وقصة روبنسون كروزو.

ففي قصة حي بن يقظان، يجد حي نفسه بعد نفوق الغزالة أسال في حالة توجه مستمر الى عالم الأفكار الى ماهية الروح والفكر متدرجاً في الوصول الى فكرة الإله والتي بها يتغلب حي على وحدته. بينما قصة روبنسون كروزو نجد توجه مستمر نحو عالم المادة والمتمثل بالعمل وكيفية إيجاد سبل الاستمرارية والحياة. ان المقاربة بين هاتين القصتين يوضحان البون الشاسع بين الفكر الشرقي والغربي النابعين من موروث تاريخي وثقافي وحضاري كبير لا يمكن تجاوزه بالأساس.

بالعودة الى الطيب بوعزة، من خلال هذه الدراسة المتعمقة بالفكر الليبرالي، ينطلق بوعزة في نقده لهذه الفلسفة بناءاً على منهجية مردها:
1- مقاربة فلسفية للأسس المعرفية والمفاهيمية لليبرالية.
2- مقاربة تاريخية وسوسيولوجية للنسق الليبرالي المجتمعي.

ويخلص هنا الى تعريف الليبرالية على أنها “فلسفة اقتصادية وسياسية ترتكز على أولوية الفرد بكونه كائناً حراً”. فبعد دراسة الفكر الليبرالي تاريخياً على أيدي منظريه المتضارب على ما يبدو فيما بينهم، تبين أن أساس ظهور هذا الفكر هو دخول الثورة الصناعية ومحاولة تحرير الشعب من سيطرة الإقطاعيين حتى يتم استغلالهم في المصانع. “فالليبرالية لم تنشأ كتأكيد لحرية الانسان، بل نتيجة الحاجة الى استغلاله بطرق مغايرة للاستغلال القناني، طرق جديدة تناسب الثورة الصناعية”. والأمثلة على هذا كثيرة ابتداءاً من ابادة الهنود الحمر وليس اتهاءاً باستعمار شعوب افريقيا.

بعد وضع الليبرالية في اطارها التاريخي، يمكن مناقشة الجوانب السياسية والاقتصادية منها كما يلي:
النظرة السياسية: بعد مناقشة وتحليل كل من ميكافيلي وجون لوك ومونتيسيكيو، نخلص الى ما يلي:
1- الفصل بين السياسي والأخلاقي، بحيث تنحصر السياسية بنظرة مادية شيئية بعيدة عن القيمية والغائية أي أنها قائمة على أساس المصلحة المرتبط تحديداً بالمنفعة الخالصة للفعل السياسي.
2- الرؤية الذرية للوجود الاجتماعي، أي أنها قائمة على أساس الفردية ومجموع قيم الأفراد مقابل قيمة الجماعة.
3- النزوع نحو تحرير الفرد، والفرد المقصود هنا هو الفرد المالك ذو الدلالة الاقتصادية، أي أصحاب رأس المال.

* يعتبر هذا الفصل من الفصول الدسمة فكرياً وفلسفياً، ويمكن الاحالة على سلسلة دروس العدالة من جامعة هارفارد للوقوف على النظرة الفلسفية والأخلاقية لهؤلاء. سعيدة بمشاركة من يرغب بحضور هذه السلسلة ومناقشتها  🙂

النظرة الاقتصادية: ويمكن تلخيصها بكون الانسان كائن اقتصادي بحيث يتم تأطير الانسان بنمط مادي يحكم تفكيره وتصوراته ووجوده بالأساس. تم هنا مناقشة أفكار أدم سميث بما يخص اقتصاد السوق ورأس المال. ويمكن أن نخلص من هذا الفصل بالقول أن الفسلفة الليبرالية قائمة على المنفعة الخالصة كما قام برسم معالمها كل من بنتام وجون ستيوارت ميل.

* أحيل هنا الى كتابي جون ستيوارت ميل “عن الحرية” و”النفعية” لمن أراد الاستزادة عن هذا الفكر.

النيوليبرالية أو الليبرالية الجديدة: ومن أهم مدارسها المدرسة النمساوية ومدرسة لوزان ومدرسة كمبردج. وبدراسة هذه المدارس خلص الطيب الى أن “المشروع النيوليبرالي لا يهدف الى تحرير الانسان، بل تحرير الرأسمال الاقتصادي من كل قيد، بما فيه قيد القيم، وتحجيم سلطة الدولة لتتصرف القوة الاقتصادية كما تشاء”. أو كما يقول دوغورناي دعه يعمل دعه يمر.

ويختم أطروحته بالحديث عن الخطاب الليبرالي العربي وهو كما قد توصلت اليه مسبقاً هو خطاب يخلو من أي نقد أو تطوير ويتبنى هذا الأفكار المقولبة جاهزاً بدون أدنى وعي تاريخي وقيمي لهذه الأيدولوجية. وهي دعوة قائمة أيضاً على التخلي عن الفكر الأوروبي والذي يضع حقوق الانسان كحجر أساس في منظومته الفكرية (وهنا لا بد أن نذكّر أن حقوق الانسان في الفكر الغربي قائمة بالأساس على إلزامية قانونية أكثر منها أخلاقية وبالتالي فهي لا تختلف بالأساس عن علمانية الفكر الغربي القائم على فصل الفعل السياسي والاقتصادي عن الفكر الأخلاقي) والتأكيد فقط على الفكر الأمركي حتى لو جاء على ظهر دبابة في سبيل تحقيقه (ولنا في صندوق النقد الدولي وقفة هنا أيضاً ).

خلاصة قول الطيب بوعزة هو نقد مقولة الفيلسوف الأمريكي فوكوياما أن الليبرالية تمثل نهاية التاريخ وأنها صيرورة حتمية لجميع العالم، وأنه ما دام هناك فكر وعقل ينقد سيأتي اليوم الذي سوف تنهار بها هذه الفلسفة كما انهارت من قبلها الماركسية والشيوعية لانفصالها عن روح التاريخ وانفصالها عن القيم والموروث الشعبوي للأمم والشعوب.

وأختم بما قاله الرافعي: “الدّين حرية القيد لا حرية الحرية، فأنت بعد أن تقيد رذائلك وضراوتك وشرّك وحيوانيتك – أنت من بعد هذا حر ما وسعتك الأرض والسماء والفكر، لأنك من بعد هذا مكمِّل للإنسانية، مستقيم على طريقته”!

* عن الحرية: https://www.goodreads.com/book/show/16131687
** النفعية: https://www.goodreads.com/book/show/16238988
*** Justice Harvard Series: http://www.justiceharvard.org/watch/

عن الحرية – جون ستيوارت ميل

عن الحرية

كنت قد شاهدت منذ فترة فيلم وثائقي عن ويكيليكس يدعى “We Steal Secrets: The Story of WikiLeaks” والذي تناول فيه نشأة ويكيليكس وجوليان أسانج ثم كيف تعرف على برادلي مانينج وبداية تسريب الوثائق. لست بصدد كتابة مراجعة عن الفيلم ولا التعليق عن الوقائع والرسالة التي حاول معدو الفيلم ايصالها عن هذين الاثنين ولن أتحدث أيضاً عن الجانب الأخلاقي (والذي قمت بكتابة مدونة عن هذا الموضوع!!) الذي شغل عقلي فترة من الزمن لكن لنحاول أن ننظر الى موضوع حرية التعبير أو الحرية المدنية/الاجتماعية والتي تناولها جون ستيوارت ميل في هذا الكتاب في ضوء أحداث ووقائع مثل ويكيليكس وتسريبات إدوارد سنودن من هذا المنظور.

للتأصيل لهذا الحديث سأقتبس من ميل: “أن موضوعه هو الحرية المدنية أو الاجتماعية: أي طبيعة وحدود السلطة التي يمكن أن يمارسها المجتمع بشكل فردي على الفرد.” أي الحرية السياسية. من المعروف أن أي فرد يعيش داخل مجتمع أو دولة ما فهو يخضع الى قوانين تلك الدولة والتي يتم وضعها عادة (أقصد في الدول الديموقراطية وليست ذات الحكم الشمولي أو الاستبدادي) باتفاق بين الأفراد والسلطة الحاكمة في هذه الدولة. الا أن هذه السلطات الحاكمة عادة ما تخضع لقيود (يشير لها هنا ميل بالحرية) تنظم حكم هذه السلطة لعموم الشعب والتي قد تكون على شكل حريات أو حقوق سياسية أي خرق لها قد يستدعي التمرد أو العصيان من الشعب أو ضوابط دستورية يتم إقرارها من قبل ممثلين عن الشعب.

هذه السلطة الحاكمة قد تكون وصلت الى الحكم عن طريق تمثيل الأغلبية (النشطة أو الفاعلة) والتي يرى ميل أنها أيضاً بحاجة لتقييد كونها (أ) لأن فعل السلطة غالباً ما يقع على أفراد المجتمع وليس السلطة الحاكمة نفسها (ب) قد تحمل هذه الأغلبية أفكار (شريرة مثل قمع الآخرين) أو ما يسمى بطغيان الأغلبية (ج) الطغيان قد لا يكون سياسي وحسب بل طغيان الرأي حيث يميل المجتمع الى تحويل أفكاره الى قواعد سلوك يفرضها بغير الطرق القانونية.

يرى ميل أن حرية الأفراد مطلقة ومن حقهم السعي وراء تحقيق مصالحهم طالما أنها لا تتعدى على حريات الآخرين أو تسبب إعاقة لتحقيق مصالحهم. ومن هنا إن الحرية الانسانية تشمل:
– المجال الداخلي للوعي، حرية الفكر والضمير والتدين والتعبير عن الرأي،… الخ.
– حرية الذوق والسعي لتحقيق أهداف معينة.
– حرية اتحاد الأفراد لتحقيق أهداف لا تشمل أذى للآخرين.

حرية الفكر والنقاش
أما بالنسبة لحرية الفكر والنقاش فإن ميل ينطلق من مفهومين أساسيين (1) أنه لا يوجد إنسان معصوم عن الخطأ فبالتالي رأيي صواب يحتمل الخطأ ورأيك خطأ يحتمل الصواب (ما يميز الانسان قدرته على تصحيح أخطائه من خلال المناقشة والخبرة) و(2) لا يوجد شيء إسمه يقين مطلق لكن يوجد ضمانة كافية لبناء منطق سليم يمكن الاعتماد عليه. “في العصر الحالي (الذي يوصف بأنه يفتقر الى الإيمان ولكنه يشعر بالرعب من نزعة التشكك، يشعر الناس بأنهم على يقين ليس بسبب صحة آرائهم وإنما لأنهم لا يعلمون ما سيفعلون بدونها”.

لكن ماذا عن حقنا في الإختلاف، أن يكون لدي رأي يخالف العرف العام أو السلوك المتفق عليه من المجتمع؟ سقراط نموذجاً. يرى ميل أن مع تقدم الزمن أصبح القبول بالرأي المخالف أمر لا مفر منه، فلم نعد نرى قتل للملحدين مثلاً أو إيداعهم في مصحات عقلية لعدم إيمانهم بإله الى أنه شجع هؤلاء المخالفين أي يخفوا آراءهم أو يمتنعوا عن إبدائها في العلن بعملية أطلق عليها ميل “التضحية بكامل الشجاعة الأخلاقية للعقل البشري”!

في بحثنا الممض عن الحقيقة علينا القبول بأن الأصل – وبالأعتماد عى قاعدتي عدم العصمة واليقين المطلق – هو تنوع الأراء والابتعاد عن الجمود. إن الديناميكية والتجديد هي الأصل في الاستمرارية وهنا يطرح ميل مثالي الدين والأخلاق وما اعتراهما من حالة جمود (وتنطبق على واقعنا الاسلامي الحالي للأسف إسلام بالوراثة) هي السبب في ابتعاد الكثيرين عنها وافتقارهم الى الاقتناع بها. “في البداية كانوا متيقظين دائماً، إما للدفاع عن أنفسهم ضد العالم أو لاستمالة العالم الى جانبهم، لكنهم تراجعوا الآن الى حالة سلبية تجعلهم لا يستمعون (ان كان بمقدورهم ذلك) للحجج المناهضة لعقيدتهم ولا يقلقون راحة المرتدين عنها (ان كان هناك مرتدون) بالمجادلة في سبيلها. في هذه المرحلة من تاريخ المبدأ يأخذ في العادة بفقدان قوته الحيوية”.

الفردية
ماذا عندما تتحول هذه الأفكار الى أفعال؟ يرى ميل أن حرية الأفراد يجب أن لا تضر بالآخرين، فمتى شكلت هذه الأفعال أي أذى فمن الواجب أن يتم ضبطها ومحاسبتها. لكن هذا يجب أن لا يتم على حساب تفرد الأشخاص، فالمجتمعات تتوقف عن النمو عندما تلغى الفردية وتذويب هوية الأفراد في سلوكيات وأنماط تفكير واحدة (قولبة للفكر) تمنعهم من النمو والتطور “وإذا لم يكن هناك تتابع من البشر الذين تعمل أصالتهم المتجددة على الحيلولة دون أن تصبح الأسباب التي تقوم عليها تلك الأفكار والممارسات مجرد أمور تقليدية، فإن المادة الميتة من هذا القبيل لن تنجو من أصغر هزة تتلقاها من أي شيء حي بالفعل”. فمع التأكيد على حق الأشخاص بالتفرد علينا التأكد أن هذا لا يضر الآخرين وقد يتم وضع ضوابط للسلوك لكن التعويض يكون بالسماح للآخرين بالتطور أيضاً ومساعدتهم على ذلك.

حدود سلطة المجتمع على الفرد
يرى ميل أن أي شخص يتمتع بميزات وحماية مجتمع ما هو مدين لها بالضرورة مقابل المنفعة التي تحصل عليها وبناءاً على ذلك فإن سلوك الفرد يترتب عليه:
– عدم الإضرار بمصالح الآخرين والتي يكفلها نص قانوني صريح أو التفاهم الضمني.
– قيام الفرد بنصيبه من الواجبات تجاه هذا المجتمع.

ان سلوك الأفراد والذي قد يتسبب بأذى للآخرين دون المساس بحقوقهم الثابتة وفقاً لميل لا يترتب علها أي عقوبة قانونية لكن يمكن أن يتم معاقبته من خلال الرأي وبالمقابل لا يحق لفرد أو جماعة أن تملي على انسان آخر ما يفعله أو لا يفعله على النحو الذي لا يختاره هو لنفسه!!

وأنهي باقتباس هذه الفقرة “إن قيمة الدولة على المدى الطويل هي قيمة الأفراد الذين تتألف منهم. والدولة التي تقزم أفرادها في سبيل أن تجعلهم أطوع لها ستجد – حتى لو أنها أرادت أن تقودهم لأغراض مفيدة – أنه لا يمكن تحقيق أي أمر عظيم حقاً حين يكون الناس صغاراً…. ستجد في نهاية المطاف أن كمال الآلة الذي من أجله ضحت بكل شيء لن ينفعها بسبب الافتقار الى القوة الحيوية التي فضلت أن تنفيها من الأرض في سبيل إمكانية أن تعمل الآلة بصورة أكثر سلاسة”.

أعتذر عن طول المراجعة لكن هذا الكتاب من النوعية التي يجب أن تقرأ بالورقة والقلم كما يقولون. قد لا أتفق مع بعض ما جاء به ميل من أفكار وقد تكون جرعة عالية من الفكر الليبرالي لكنه كتاب يستحق القراءة. أكثر شيء أثار استيائي هو ما جاء في التطبيقات أو المجادلة في أن حرية الأفراد في حالات مثل الزنا والقمار وشرب الكحول وحقوق الأفراد المطلقة فيها إن كانت لا تؤثر الا على الشخص نفسه مما لا أتفق معه إطلاقاً، حتى أنني توقفت عن قراءة الكتاب وقرأت كتاب عن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر من أجل تأصيل فقهي للأفكار التي قرأت عنها في هذا الكتاب!! قال تعالى: (كَانُواْ لاَ يَتَنَاهَوْنَ عَن مُّنكَرٍ فَعَلُوهُ لَبِئْسَ مَا كَانُواْ يَفْعَلُونَ) المائدة 79.

وسأقتبس من الصديقة لونا قول الرافعي “الدّين حرية القيد لا حرية الحرية، فأنت بعد أن تقيد رذائلك وضراوتك وشرّك وحيوانيتك – أنت من بعد هذا حر ما وسعتك الأرض والسماء والفكر، لأنك من بعد هذا مكمِّل للإنسانية، مستقيم على طريقتها” أي تتوقف حريتي عند حدود الله.

My Bookshelves 1

library1

Nop, my bookshelves are not as neat as they look in these images, I have piles of books all over my room, my work office and at my Mom’s too!! The image above is 9 months old and you can imagine how it might look like now!! One day when I finally get my custom bookshelves Insha’Allah I will be able to bring all of them in one place. So for the sake of this post, I had to empty my library and the piles of books at front last week and took different shots for them.

Beside my school and work books, most of my books are in Arabic so I will list these in Arabic. As for those in English, I will list those I have them here for now and I will update this post Insha’Allah with those at work and my Sherlock BBC edition coming up the way in mail once they arrive 😀

I will write another post for the rest of my Islamic and fiction Arabic novels in a separate post so this won’t be long as forever!!

I buy most of my Arabic and Islamic books from libraries here in Jordan and from books exhibitions held in here each year. For my English books, I find it cheaper for me to order them online than buying them from libraries here!! so I order from Amazon, Bookdepository, Jamalon and sometimes my boss bring them for me when he go to the US!!

 

Politics and Islamic Shelf

Shelf 1

I have a modest shelf for political and Islamic books in English, not much but I’m planning to grow them Insha’Allah.

1. Dirty wars by Jeremy Scahill.
2. The Palestine Papaers: The end of the road> by Clayton E. Swisher and Ghada Karmi.
3. Seeking Palestine: New Palestinian Writing on Exile and Home by Raja Shehadeh.
4. Bin Laden: The Man Who Declared War on America by Yossef Bodansky.
5. The Shock Doctrine: The Rise of Disaster Capitalism by Naomi Klein.
6. Drinking the Sea at Gaza: Days and Nights in a Land Under Siege by Amira Hass.
7. GAZA: When the Sky Rained White Fire by Musheir El-Farra.
8. Democracy Matters: Winning the Fight Against Imperialism by Cornel West.
9. The Great War for Civilisation: The Conquest of the Middle East by Robert Fisk.
10. The Ethnic Cleansing of Palestine by Ilan Pappe.
11. Gaza: Stay Human by Vittorio Arrigoni.

12. A World Without Islam by Graham E. Fuller.
13. What I Believe by Tariq Ramadan.
14. The Quest for Meaning: Developing a Philosophy of Pluralism by Tariq Ramadan.
15. Al-Ghazzali on Knowing Yourself and God by Mohammed al-Ghazali. A gift from my brother Tim 🙂
16. Al-Ghazali on the Ninety-nine Beautiful Names of God by Abu Hamid al-Ghazali. I borrowed this from my brother Tim and I will return it to him when I see him again Insha’Allah.
17. A Deadly Misunderstanding: A Congressman’s Quest to Bridge the Muslim-Christian Divide by Mark D. Siljander. a gift from my friend Dorothy.

 

Fiction and Random books

Shelf 2

Again, this shelf doesn’t contain much fiction books but I’m planning to order more Boxsets and all the work of Sherlock holmes the BBC edition so it will be full soon Insha’Allah.

1. The Casual Vacancy by J.K. Rowling.
2. The Cuckoo’s Calling by Robert Galbraith (Pseudonym), J.K. Rowling.
3. Harry Potter and the Philosopher’s Stone by J.K. Rowling.
4. Harry Potter and the Half-Blood Prince by J.K. Rowling.
5. Harry Potter and the Deathly Hallows by J.K. Rowling.
6. The Hunger Games Trilogy Boxset by Suzanne Collins.
7. The Fellowship of the Ring by J.R.R. Tolkien.
8. Mansfield Park by Jane Austen.

9. The Secret by Rhonda Byrne.
10. Measure Twice, Cut Once: Lessons from a Master Carpenter by Norm Abram.
11. The Family Business: Its Governance for Sustainability by Fred Neubauer, Alden G. Lank.
shelf2_2

12. The Hundred-Year-Old Man Who Climbed Out of the Window and Disappeared by Jonas Jonasson.
13. The Gillian Flynn Collection: Sharp Objects, Dark Places, Gone Girl by Gillian Flynn.

 

Russian Literature

أدب روسي

ٍShelf 3

I was astonished when I found most of my Russian literature reading were e-books so I’m planning to complete these shelves soon as well!!

1. Anna Karenina by Leo Tolstoy.
آنا مارنينا by ليو تولستوي
2. The Idiot by Fyodor Dostoyevsky.
الأبله by فيودور دويستوفسكي
3. The Gambler by Fyodor Dostoyevsky.
المقامر by فيودور دويستوفسكي
4. The Complete Short Novels by Anton Chekhov
الأعمال المختارة #1 by أنطون تشيخوف
5. Five Great Short Stories by Anton Chekhov
الأعمال المختارة #2 by أنطون تشيخوف
6. Chekhov Long Stories by Anton Chekhov
الأعمال المختارة #3 by أنطون تشيخوف
7. The Complete Plays by Anton Chekhov
الأعمال المختارة #4 by أنطون تشيخوف
8. The Lower Depths by Maxim Gorky
الساقطون by مكسيم غوركي
9. A Hero of Our Time by Mikhail Lermontov
بطل من هذا الزمان by ميخائيل ليرمنتوف

 

Islamic and Arabic Thinking

فكر إسلامي وعربي

shelf 4

I’m proud of this collection, read most of them as they helped shape my thinking and the way I see the world.

1. هروبي إلى الحرية علي عزت بيجوفيتش
2. الإسلام بين الشرق والغرب علي عزت بيجوفيتش
3. الديمقراطية وحقوق الإنسان في الإسلام راشد الغنوشي
4. الحريات العامة في الدولة الإسلامية #1 راشد الغنوشي
5. الحريات العامة في الدولة الإسلامية #2 راشد الغنوشي
6. رؤية للسلام العالمي رجب طيب أردوغان
7. الدين والعلمانية في سياق تاريخي – الجزء الأول عزمي بشارة
8. روح الدين: من ضيق العلمانية إلى سعة الائتمانية طه عبد الرحمن
9. سؤال الأخلاق: مساهمة في النقد الأخلاقي للحداثة الغربية طه عبد الرحمن
10. التخلف الاجتماعي: مدخل إلى سيكولوجية الإنسان المقهور مصطفى حجازي
11. الظاهرة القرآنية مالك بن نبي
12. مشكلة الأفكار في العالم الإسلامي مالك بن نبي
13. وجهة العالم الإسلامي #1 مالك بن نبي
14. وجهة العالم الإسلامي #2 مالك بن نبي
15. الصراع الفكري في البلاد المستعمرة مالك بن نبي
16. من أجل التغيير مالك بن نبي
17. شروط النهضة مالك بن نبي
18. الإسلام في الألفية الثالثة ديانة في صعود مراد هوفمان
19. الإسلام على مفترق الطرق محمد أسد
20. ماذا خسر العالم بانحطاط المسلمين أبو الحسن الندوي
21. حتى الملائكة تسأل: رحلة إلى الإسلام في أمريكا جيفري لانج
22. الصراع من أجل الإيمان جيفري لانج
23. القرآن والتوراة والإنجيل؛ دراسة في ضوء العلم الحديث موريس بوكاي
24. طبائع الاستبداد ومصارع الاستعباد عبدالرحمن الكواكبي
25. الطريق إلى مكة محمد أسد

Coming back with another tour through my bookshelves 🙂

مشكلة الأفكار في العالم الإسلامي – مالك بن نبي

مشكلة الأفكار في العالم الإسلامي

قد يتهمني البعض بأنني من المنحازين لمالك بن نبي وهي تهمة لن أنفيها بل سأزيد عليها أنني أعتبر مالك بن نبي بالإضافة ال معلمي علي عزت بيجوفيتش وعبدالوهاب المسيري من المفكرين المسلمين المعاصرين الذين أسهموا في إعادة إحياء الفكر والنهضة الإسلامية لإعادتها الى مكانها الصحيح منذ بدأها جمال الدين الأفغاني ومحمد عبده ورشيد رضا لكنها كباقي المحاولات للأسف قوبلت بشعوب عربية ذات فكر ليس مستعمَر فحسب بل كما يصوغها مالك بن نبي شعوب تمتلك جميع مقومات القابلية للإستعمار والتي تركت العالم العربي والإسلامي ككل في وضع الذي ما زال يلهث وراء الغرب لتحصيل شبه حضارة وحداثة مشوهة أغفلت ارتباطها بماضيها الإسلامي العريق فغدت كنبتة انفصلت جذورها من الأرض وان بقيت لبعض الوقت على قيد الحياة لوجود الشمس والهواء الى أن نهايتها محكومة بالفناء لانفصالها عن أصالتها وتربتها التي تمدها بجميع مقومات الاستمرارية والبقاء.

وإن كان في هذا الكتاب استكمال لما بدأ بالتأصيل له في كتابه شروط النهضة نجد أن التركيز هنا على عالم الأفكار ودوره في بناء الحضارة بشكل عام وكيف أنفصل العالم الإسلامي عن جذوره وأفكاره وسار خلف عالم الأشخاص بالأساس وعالم الأشياء منذ عصر ما بعد الموحدين. سأحاول أن ألخص الأفكار الرئيسية التي وردت في الكتاب وان كان ما كتبه مالك بن نبي منذ ما يقارب ال44 عاماً ما زلنا نجده في واقعنا الى الآن وكأن الزمن قد توقف بنا منذ قرون وبدل أن تدور عجلة الحياة الى الأمام يبدو لي أنها ضلت الطريق بل استكملته الى الوراء.

يحدثنا مالك بن نبي بادئ ذي بدئ عن التوجهات الفكرية للإنسان في البيئة المنعزلة (الوحدة) والتي تتوجه اما:

  1. الى الأرض (أو عالم الأشياء) والذي يتمثل بثقافة ذات جذور مادية وتقنية.

2. الى السماء (عالم الأفكار) والذي يتمثل بثقافة ذات جذور أخلاقية وغيبية.

وإن نظرنا الى العالمين الغربي والإسلامي سنجد أن الغرب وكما جاء في قصة روبنسون كروزو تغلب على وحدته (عزلته) بالعمل أي أن عالم الأشياء كان هو المسيطر في حين نجد أن العالم الإسلامي وكما جاء في قصة حي بن يقظان قد تغلب على وحدته ببناء الأفكار ابتداءاً من فكرة الروح (نفوق الغزالة) ومتدرجاً حتى يصل الى فكرة الإله. وبناءاً على هذا ولو نظرنا الى الطفل الذي تشبه محاولات اندماجه مع محيطه بالخروج من هذه العزلة تبدأ بعالم الأشياء (التي يبدأ باكتشافها بيديه) ثم عالم الأشخاص (وهي الدائرة المحيطة به من الأسرة والمدرسة) ثم عالم الأفكار الذي تبدأ بالتمايز بين الأفراد داخل المجتمع.

وبعد التأصيل لهذه العوالم الثلاث نبدأ بنقل هذه الفكرة من الفرد الى المجتمع الإسلامي فنجد المجتمعات تنقسم زمنياً الى:

1- مجتمع ما قبل التحضر: وهو يتمركز حول الأشياء متمثلاً بالأصنام والأوثان في الجاهلية.

2- المجتمع المتحضر: ويتمركز حول الأفكار عندما جاء الإسلام وأنتج لنا جيل المهاجرين والأنصار.

3- المجتمع بعد المتحضر: ويتمركز حول الأشخاص (وهو ما نعانيه الآن منذ عصر ما بعد الموحدين) فينتشر المتصوفون والدجالون والزعيم الصنم

وان كان عالم الأشياء في هذه المرحلة ليست أوثاناً لكنها تأخذ شكلاً استهلاكياً خالٍ من أي فكر.

ثم ينتقل بنا الحديث الى علاقة الأفكار بالحضارة فيعرف الحضارة بأنها نتاج فكرة جوهرية تدفع بها في التاريخ وهي نتاج ثقافي فريد تارة ومجموعة العوامل المعنوية والمادية التي تنتج لمجتمع ما أن يوفر لكل عضو فيه جميع الضمانات الاجتماعية اللازمة لتطوره تارة أخرى. وبناءاً على تقسيمات المجتمع أعلاه نجد أن التطور الحضاري أيضاً كما جاء في كتابه شروط النهضة يقسم الى:

1- ما قبل الحضارة: الجاهلية وكيف أن الروح (صرخة بلال أحد أحد) كانت هي لحظة أرخميدس التي كانت المحرك الأساسي للانتقال الى الطور الثاني.

2- الحضارة: وهنا يكون العقل هو المحرك الرئيسي والفاعل والذي تميزت به الحضارة الاسلامية.

3- ما بعد الحضارة: حيث سيطرت الغريزة على المجتمع والذي تمثل لعصر ما بعد الموحدين.

وهنا يدخل مالك بن نبي عامل أسماه الطاقة الحيوية والتي تساعد فيها الأفراد على الاندماج في مراحل التطور هذه فيرى أن الاسلام قد طوع الطاقة الحيوية للمجتمع الجاهلي والذي سيطرت عليه العصبية القبلية والشرف نحو مجتمع اسلامي متحضر. لكن هل تكفي هذه الطاقة الحيوية على نقل الحضارة الغربية مثلاً الى العالم الإسلامي؟ هنا يطرح لنا مالك بن نبي مشكلة الخمر وكيفية محاربة الإسلام لها بالتدريج مقارنة مع محاولات المجتمع الأمريكي حلها بالتدرج بسن القوانين لمنعها والتي انتهت بالنهاية بثورة الشعب ضدها والغاء قانون التحريم هذا. ان فشل التطبيق في حل هذه المشكلة يعود الى:

– قدرة أي فكرة للتكيف ليست متساوية بين مجتمعات ذات ثقافة مختلفة (أشياء – أفكار وقيم).

– قدرة المجتمع الواحد للتكيف من مرحلة الى أخرى تختلف (حسب مكانة الأشياء في هذا المجتمع).

نعود الى الأفكار وأين نجد مكانها في الحضارة: المجتمع الناشئ يحاول أن يجد له سند في القيم المقدسة فنجد أن الأفكار الرائدة ما قبل التحضر تبدأ بالأخلاق وتتدرج شيئاً فشيئاً حتى تصبح الأفكار العملية أو التقنية هي المسيطر (ما زالت الحضارة هنا تتوجه نحو الأشخاص “الانسان” لأن الانسان هو من يمر بأطوار التغير) وحين تنتقل هذه الأفكار بالكلية نحو عالم الأشياء تبدأ مرحلة ما بعد التحضر. وان أي انعدام هنا في التماسك في عالم الأفكار يولد ما أسماه مالك بن نبي الاستعمار والقابلية للاستعمار. وفي هذا العالم علينا أن ندرك طغيان عالم الأشياء على كل شيء سواء من ناحية نفسية وأخلاقية أو على الصعيد الفكري والإجتماعي حيث تطغى الأشياء من ناحية الكمية على النوعية ومن ناحية سياسية تتمثل بطغيان عالم الأشخاص حيث تبدأ الأخلاق بالانحصار بأشخاص محددين فتبدأ الأفكار تتجسد بالزعيم الصنم.

وحتى تتحرر المجتمعات الاسلامية من مرحلة ما بعد التحضر التي تمر بها عليها أن تعود الى أفكارها الأصيلة ذات الفعالية. فالفكرة الأصيلة بحد ذاتها لا تعني أنها فاعلة دائماً والفكرة الفاعلة لا تعني أنها صحيحة دائماً فعلينا في هذه المرحلة العودة الى روح الاسلام المتمثل بالمنهج النبوي الذي ما فتئنا نراه بجميع مراحل حياة النبي (صلى الله عليه وسلم) حيث حرر الفكر الاسلامي من القدسية المطلقة والاكتفاء الذاتي الذي أشبعناها بها وأعلى من فضيلة الفعالية الى جانبها.

وأنهى مالك بن نبي حديثه عن الثورة وهو فصل وجدت أنه واقعي جداً الى درجة نلمسها الى الآن بشكل حي ومباشر وأشار أن السبب الرئيسي في فشل الثورات هو الإعتماد دوماً على عالم الأشخاص والأشياء وإهمال الأفكار فتجد الرجل مستعد أن يضحي بحياته من أجل رموزه لكنه لا يعرف لماذا وبالحديث عن الأفكار الميتة والمميتة. فالأفكار الميتة هي نتاج إرثنا الثقافي الذي ولّد القابلية الى الاستعمار في نفوسنا والأفكار المميتة والتي لا نفتأ نبحث عنها في الحضارة الغربية (التي تولّد الاستعمار) والتي وضحها في حديثه السابق عن كيفية إستحالة استيراد حضارة بكاملها الى العالم الاسلامي لاختلاف الموروث الثقافي والحضاري وكيف أن هذه الأفكار المخذولة والمتمثلة بالفكرتين تعود لتنتقم منا نحن الذين انفصلنا عن أصولنا ومثلنا العليا وتعلقنا بأفكار فقدت فعاليتها وأصالتها عندما تم استيرادها من حيزها الثقافي الأصلي.

كرة القدم بين الشمس والظل – ادواردو غاليانو

ادواردو غاليانو

ادواردو غاليانو

 

حين يكون الصوت الإنساني حقيقياً ، حين يولد من الحاجة إلى الكلام لا أحد يستطيع أن يوقفة ، حين يمنع عنه الفم ، يتحدث بالأيدي و الأعين بالمسام أو بأي شيء آخر ، لأن كل واحد منا لديه شيء يقوله للآخرين ، شيء يستحق أن يحتفي به الآخرون أو يصفحوا عنه

تعثرت بادواردو غاليانو عندما قرأت مراجعة لكتابه “كرة القدم بين الشمس والظل” والتي أعجبتني لدرجة البحث عن الكتاب وقراءته بالساعة والحال وعلي أن أعترف أنني تمنيت لو أنه لم ينتهي، ليس لبراعة الأسلوب والتاريخ الذي أتحفنا به وحسب بل لتلك السخرية اللذيذة التي تتذوقها بين الحين والآخر بين اخفاق حارس مرمى في صد كرة ونجاح مهاجم في احراز المجد لمنتخبه. ليست هذه المرة الأولى التي أقرأ فيها كتاب يتحدث عن كرة القدم الا أن أسلوبه وآراؤه اليسارية الواضحة أضفت نكهة مميزة عن غيره من الكتاب.

ادوارد غاليانو… تذكروا هذا الاسم جيداً فهذا الرجل ساحر ليس في كتابه هذا فحسب بل بمختلف ما كتب الى الآن…

كرة القدم بين الشمس والظل

كرة القدم بين الشمس والظل

هل تعلم أن ألبير كامو كان حارس مرمى فريق كرة القدم في جامعة الجزائر!!
يقول ادواردو غاليانو “في 1930 كان ألبير كامو ھو القديس بطرس الذي يحرس بوابة مرمى فريق كرة القدم بجامعة الجزائر. كان قد اعتاد اللعب كحارس مرمى منذ طفولته، لأنه المكان الذي يكون فيه استھلاك الحذاء أقل. فكامو، ابن الأسرة الفقيرة لم يكن قاردراً على ممارسة ترف الركض في الملعب: وكل ليلة كانت الجدة تتفحص نعل حذائه وتضربه إذا ما وجدته متآكلاً

أبدع إدواردو غاليانو في كتابه “كرة القدم بين الشمس والظل” بنقل مباريات كرة القدم بشكل حي ومباشر عبر صفحات الكتاب فأنت لست أمام عاشق للدائرة المستديرة فحسب بل باحث سبر أغوار كرة القدم ليضعك أمام توليفة رائعة لا تشكلها أرجل 22 لاعب داخل المستطيل الأخضر فحسب بل كصناعة وعالم أعمال قائم على الربح والخسارة المادية أيضاً.

تتميز كتابة غاليانو -كما لاحظته بكتابات أخرى- بفقرات معنونة كل فقرة مكتفية بذاتها قادرة على ايصال معنى بكلمات سهلة الهضم وذات بناء فني جميل وهو ما لم أكن أتوقعه في كتاب عن كرة القدم!! وكان لأصله الأورغواني وهذا العشق الفطري للمستديرة الأثر الأكبر في ايصال تلك الحماسة التي تشعر بها لو كنت تشاهد مباراة كرة قدم بشكل حي ومباشر. ومما زادها جمالاً على جمال، عدم اكتفاء غاليانو بشرح مكونات وتفاصيل كرة القدم آخذاً إيانا في رحلة منذ مونديال الأورغواي 1930 الى مونديال 1994 في الولايات المتحدة بل تأريخه لأحداث سياسية وأدبية وثقافية جامعاً بين الأسلوب التقريري والأسلوب الساخر. كتكراره في الكثير من فقرات الكتاب على: “مصادر شديدة الإطلاع في ميامي تعلن أن سقوط فيدل كاسترو صار وشيكاً، وأن انھياره ھو مسألة ساعات فقط.“!! بل استطاع أن يوصل ببساطة شديدة كيف تحولت كرة القدم من لعبة الى صناعة تديرها الفيفا وكيف أصبحت وكراً لاحتكار اللاعبين وحقوق البث وحتى وسيلة لجلب الأموال الطائلة عن طريق الدعاية والرعاية للأندية واللاعبين.

ومما زاد من حماستي وتقديري لهذا الكتاب تلك الواقعية التي كان يصف بها كرة القدم وعناصرها من لاعبين وحكام وجماهير، الخ… فهو لم يزينها كأنها عالم مثالي نزيه خالٍ من الأخطاء بل كان توصيفه انسانياً صرفاً ويكأنه أحد الأصدقاء جالس بجانبك وتتناقشان في أداء هذا اللعب أو أن الحكم قد أخطأ في احتسابه خطأً هناك وأقتبس:
1. اللاعب:
يركض لاھثاً على شفير الھاوية. في جانب تنتظره سماوات المجد، وفي الجانب الآخر ھوة الدمار.
  ھذا لا يمكنه أن يسجل ھدفاً حتى في ملعب يميل نزولاً.
ھذا؟ لن يسجل ھدفاً حتى ولو قيدوا له يدي حارس المرمى.

2. حارس المرمى:
إنه وحيد. محكوم عليه بمشاھدة المباراة من بعيد. ينتظر وحيداً إعدامه رمياً بالرصاص بين العوارض الثلاث.
الحشود لا تغفر لحارس المرمى. أقفزَ في الفراغ؟ أكان مثل الضفدع؟ ھل أُفلتت منه الكرة؟ أأصبحت اليدان الفولاذيتان حريراً؟ بخطأ واحد فقط يدمر حارس المرمى مباراة كاملة أو يخسر بطولة، وعندئذ ينسى الجمھور فجأة كل مآثره ويحكم عليه بالتعاسة الأبدية. وتلاحقه اللعنة حتى نھاية حياته.

3. المعبود:
يُبھج المراعي، يلعب ويلعب في مجاھل الضواحي الھامشية إلى أن يخيم الليل ولا يعود قادراً على رؤية الكرة، وفي سنوات شبابه يطير ويُطيِّر في الاستادات.
ولكن المعبود يبقى معبوداً لبرھة وحسب، أبدية بشرية، شيء لا يُذكر؛ فعندما تحين ساعة النحس للقدم الذھبية، يكون النجم قد أنھى رحلته من الوميض إلى الانطفاء. يكون قد تحول إلى ھذا الجسد الذي يضم رقعاً أكثر من بدلة مھرج، ويصبح الأكروباتي مشلولاً، والفنان بھيمة: آه، ليس بحافرك!

4. المتعصب:
ھو المشجع في مشفى المجانين. يصل المتعصب إلى الملعب ملتحفاً راية ناديه، ووجھه
مطلي بألوان القميص المعبود، مسلحاً بأدوات مقعقعة وحادة، وبينما ھو في الطريق يكون قد بدأ بإثارة الكثير من الصخب والشجار. وھو لا يأتي وحده مطلقاً.

5. الحكم:
إنه الطاغية البغيض الذي يمارس دكتاتوريته دون معارضة ممكنة، والجلاد المتكبر الذي يمارس سلطته المطلقة بإيماءاتِ أوبرا.

علينا أن نعترف أخيراً أن كرة القدم لم تتطور الى هذا الحد الا بفضل الفقراء والعمال الكادحين الذين وجدوا فيها فرصة للتعبير عن ذاتهم حين تغيب كل تلك الفوارق الطبقية أثناء الركض خلف تلك الكرة وامتاع الجماهير المتحمسة لوجبة دسمة من الأداء المبدع والفن الذي لم يكن ليصل الى درجة الامتاع لولا الخروج عن التقاليد الانجليزية والأجنبية (الأوروبية) القديمة للكرة الى سحر المهارات الفردية والاكروباتية للبرازيليين والأورغوانيين (أمريكا الجنوبية بشكل عام).

كانت كرة القدم قديماً حكراً على الشباب الأغنياء الذين وجدوا أنفسهم فيما بعد يلعبون أمام طبقة البروليتاريا والكادحين “نحن الذين لنا مكانة في المجتمع نجد أنفسنا مضطرين إلى اللعب مع عامل، أو مع سائق… فممارسة الرياضة آخذة بالتحول إلى عقوبة، إلى تضحية، ولم تعد متعة على الإطلاق“!! وربما هي المجال الوحيد الذي اتفقت فيه طبقة المثقفين الأرستقراطيين واليسار فترى المثقفين يتحدثون عنها قائلين “فالغوغاء المصابة بمس كرة القدم تفكر بأقدامھا، وھذا من خصائصھا، وفي ھذه المتعة التبعية تجد نفسھا. فالغريزة البھيمية تفرض نفسھا على الجنس البشري، والجھل يسحق الثقافة، وھكذا تحصل الدھماء على ما تريده.“!! أو اليسار قائلين “أنھا تخصي الجماھير وتحرفھا عن النشاط الثوري. خبز وسيرك، سيرك دون خبز: فالعمال المنوّمون بالكرة التي تمارس عليھم سحراً خبيثاً، يصابون بضمور الوعي، ويتيحون لأعدائھم الطبقيين أن يسوقوھم كالقطيع.”

هذا الكتاب بالنهاية هو وجبة دسمة لعشاق وغير عشاق كرة القدم تجد فيها كل ما لذ وطاب من فن جميل وذكريات رائعة من الزمن الغابر لأبطال أمثال بيليه وبيكنباور ومارادونا وايزيبيو وغيرهم الكثير من الأسماء التي لم تنصفها الآلة الاعلامية ولحظات صنع الأهداف التاريخية التي تبقى بالذاكرة ولا ننسى تطور كرة القدم وما واجهته من صعود وهبوط على مر التاريخ على أيدي عظماء الكرة ورجال الأعمال!!

الضوء الأزرق – حسين البرغوثي

حسين البرغوثي

تعرفت على حسين البرغوثي عند مناقشة كتابه الضوء الأزرق على موقع أبجد ولقد حرت كيف غاب عني كاتب فذ استطاع أن يسبر أغوار النفس البشرية بمثل هذا العمق والوضوح بل قرأت صفحات من حياتي من خلال مذكراته!! ربما كان هذا السبب الذي دفعني أن أقرأ الكتاب مرة أخرى بمجرد الانتهاء منه… حاجتي لمعرفة نفسي أكثر من خلال التشابه الكبير الذي جمعني به من حيث أننا من فلسطين وأزمة الهوية التي نعاني منها كالعادة… ذلك التوق الشديد الى الحرية والرجوع الى الجذور… العشق الكبير لبحر بيروت ناهيك عن ذلك الصراع بين عيش الواقع والعيش داخل رأسك!!

هذه السطور كتبتها كمراجعة سريعة لمشاعري المختلطة بعد الانتهاء من القراءة الثانية للكتاب.

الضوء الأزرق

يقول ارنست همنغواي: “There is nothing to writing. All you do is sit down at a typewriter and bleed.”!!

وما فعله حسين البرغوثي في سيرته الشخصية الضوء الأزرق أن سكب دمه على ورق. ولا أعلم حقاً كيف تتم كتابة مراجعة لكتب السير الشخصية حقاً لا أعلم!!

أن تكون مسجوناً داخل نفسك من أصعب التجارب التي يمكن أن يمر بها الانسان، أن تصنع من دموع قلبك المجروح مشنقتك، ذلك القلب الذي أخبره “بري”: “قلبك لم يتعلم أن يشعر يا رجل، ولا أن يعيش في شعوره، الا في حالة واحدة: تحويل نفسه الى جحيم”، وماذا فعل جحيم حسين في قلبه بعد أن استحكم عقله بتلابيب حياته: “… عندما يستولي العقل على الروح، يجف القلب، يا رجل أنت جاف…”

بين حياة حسين داخل عقله وخارجه، مرّ العمركطائر نسر يحلق في فضاء الذاكرة وحسين تربته، لا تلك التربة كونت وعياً لتعرف معنى التحليق في الفضاء ولا ذلك النسر تملكه فضول العيش على اليابسة.. ف حسين طفل الجبال الذي تفيض نفسه طوفاناً من بحر ضاع في دوامة عقله، ماضيه، أقنعته، أناه، هويته ولم يجد منجى من الضياع الا التعلق بقشة الجنون!! “قلبك يختنق .. قلبك يختنق يا رجل!”

في علم النفس هنالك مصطلح يسمى :فنجان العواطف (emotional cup) وكل شخص فينا يمتلأ فنجانه بالعواطف بناء على تجربته السابقة، وهذا الفنجان كالتربة لا تستطيع أن تزرع فيها حتى تحرثها وتنقيها من الشوائب وفنجان حسين ممتلأ حتى الثمالة.. ذلك الطفل الصغير التائه بين جبال رام الله باحثاً عن بحر بيروت والذي دفعه عدم فهم الناس له ان يعيش داخل رأسه وأن ينغلق أكثر وبين ذلك الشاب الغريب ذو الهوية الضائعة كنهر الأردن فلا هو استطاع أن ينتمي الى شرقي النهرولا الى غربيّه… وكيف يمكنه أن يفرغ فنجانه لكي يفهم و “الانسان هو تجربته، وذاكرتي من تجاربي”… ولكي يحسم حسين أمره سافر الى سياتل علّه يجد فيها هويته الضائعة ويفهمها ولكن كما قال كيف لانسان ينتمي الى ذلك النوع من الناس الذي لا يمكنه أن يحسم كل حياته لاخر ذرة من قلبه من أجل أي شيء في هذه الدنيا.. وكيف يفهم و”ذهنك سعدان لدغته عقرب ماضية، فصار ينطُّ ويزعق: وع! وع! وع! وع”…

لكل منا “بري” الخاص به سواء كان انساناً من لحم ودم أو ضوءه الداخلي (لوّنه بأي لون شئت) أو أناه أو فطرته… ذلك الطوق الذي نجد فيه نجاتنا من الجنون خاصتنا… ولم الجنون، الجنون من محاولة الفهم وما هو الفهم (الفهم هو أن تفهم ما هو الفهم، وماذا بإمكانه أن يفعل).. وماذا ان فهمنا، ان فهمنا لن نستطيع اشاحة وجوهنا عن ذلك الشيء الذي هو سبب مأساتنا أو جنوننا أو عقلانيتنا فلتكن ما شئت.. ذلك الشيء الذي نعرفه بقلوبنا وندركه بعقولنا ولكننا لا نريد أن نراه أو بالأحرى نخاف من رؤيته لأننا سنرى حقيقتنا – تلك التي يصفها كارل يونغ بال (persona) وهي كالقناع الذي يقدم للناس انطباعاً عنا نحن خلقناه بأيدينا ومن ناحية أخرى يخفي طبيعتنا الحقيقية… “أعطني من فضلك، ماذا؟ قناعاً اخر، قناعاً ثانياً”… – “وبري كان يراه! وكنت أريد أن أرى ما يراه، ولا أكاد أحتمل ذلك”!!

هزتني هذه السيرة بعنف أكبر مما توقعت، فالتشابه بين ذاكرة المكان والأحداث والجنون كبير الى حد لا يطاق!! وكل ما فعلته عندما انتهيته للمرة الثانية أن صرخت لمَ لمْ تجد الحل يا حسين فلقد تعبنا من هذا والله…

“وعلي أن لا أصارع الناس في دنياهم، سأعزل نفسي في قوقعة من علاقات قليلة، مع بشر استثنائيين فقط، بأقل عدد ممكن، وسأتحول،… من شخص استثنائي في عالم عادي الى عادي في عالم استثنائي، وسأتجنب أي صراع لا جدوى منه، سأتجنب، كشبح لا يخرج من بيته الا بعد منتصف الليل، ماشياً في الأزقة الخلفية،… وكل ما أرجوه ألا ينتبه أحد لمروري، أعطني من فضلك، أعطني، ماذا؟ قناعاً اخر، قناعاً رابعاً”….

——————————————

ما بين ال “…” منقول من نص الكتاب…

——————————————

بعض مما اقتبسه من الكتاب:

“أن تتأمل نفسك يعني أن تفهم ما كنت تعرفه دائماً من غير أن تفهمه”

“أحيانا اللطف مع الناس جريمة ضد النفس”

“قالت “أنت تحيا داخل رأسك”
صدمتني دقة الجملة” أحيا في رأسي”
أي لست حتي نصف حي, أي في صحراء أو جثة, لا فرق.
من الخارج كنت مرحا, واثقا من نفسي,و أفيض بالحياة, أدعي ذلك أو أتظاهر به, و لا أدري أين نفصل بين الإنسان و ما يدعيه عن نفسه,و يتظاهر به”

“إن شخصا لا يعطيني معرفة, و يوسع مداركي, و لا يأخذ مني معرفة و يوسع مداركه شخص لا حاجة لي به”

“لا تعتقد، افهم، عندما يستولي العقل على الروح، يجف القلب، يا رجل، أنت جاف”
“وما هو الجفاف؟”
“نوع من الزيف”
“وأنا زائف؟”
“نعم!”

“يا إلهي كم يصبح العادي طموحًا أحيانًا”

“في الفن يجب أن تلامس الجنون دون أن توقظه”

“هذا هو الذهن :فنجانك الذهبي .من طبيعة الذهن أن يكون فارغا , ومن طبيعة الفراغ أن يكون قابلا لأن تصب فيه أي رأي,أو نظرية ,أو مذهب , أو معرفة , أو شعور ,أو ذكريات .
ميز بين الذهن و محتواه كما تميز بين الفنجان و الشاي الذي في الفنجان يا رجل !”

“وأفكر و أفكر و أفكر , لا قلبي يشعر بما أفكر به و لا عقلي يتوقف عن الهيمنة على روحي , كل فكرة قطعة حطب يابسة .. نقطة .”

“بري , ألا تعلمني شيئا إلا بتدميري ؟ أنت تنبش أسوء ما فيّ .
_ يا حسين , لا أدمّر حين أشير إلى دمار سابق , لن تتعلم دون أن تتألم .
-كيف ؟
– هل سمعت ب”التخلف العقلي “.
-نعم
– هناك تخلف قلب أيضا , قلبك معاق , نقطة , دع قلبك ينمو يا رجل”

“أن تتأمل نفسك يعني أن تفهم ماكنت تعرفه دائما من غير ان تفهمه . دائما كان قلبك يعرف معنى كن سمكة و كن شلالا حتى قبل أن تكتب الجملة كنت تعرفها , و لكن دون أن تفهم ما تعرفه”

شروط النهضة – مالك بن نبي

مالك بن نبي

القارئ لفكر مالك بن نبي يمكنه أن يلاحظ أن المحور الرئيسي لكتاباته هي مركزية الحضارة ودورها في النهضة الاسلامية. وان كنا دارسين لتاريخنا الحضاري يمكننا القول أننا في مرحلة ما كنا في أوج الحضارة ونحن الآن مع الأسف في مرحلة أفول حضاري. فكيف لنا اذن أن نعيد للحضارة الاسلامية أوجها ومكانها في العالم أو كيف لنا أن نتبنى حركة تجديد أو اصلاح للمجتمع الاسلامي للنهوض بواجباته تجاه أمته.

4cc9c1e728793.gif

يلفت مالك بن نبي نظرنا الى مجدد ومصلح الشرق جمال الدين الأفغاني والذي يقول أن صرخة انطلقت من الشرق سمع دويها في الغرب. فكان الجزائريين من السباقيين للتجديد والاصلاح بعد التخلص من الاستعمار ويسرد لنا هنا كيف أنهم في البداية استطاعوا السير على الطريق السليم في الاصلاح الا أنهم ما لبثوا أن انحرفوا عن أهدافه ولم تكتب لهذه الحركة النجاح.

ينطلق مالك بن نبي في فكرة الاصلاح من قوله تعالى: “ إِنَّ اللَّهَ لا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنفُسِهِمْ [الرعد:11] “. فالتغيير اذن ينطلق بداية من الأفراد الراغبين على الحقيقة بصحوة روحية وفكرية تتبعها فيما بعد نهضة مجتمعية تشكل اللبنة الأساسية لقيام الحضارة. الا أن هذه الصحوة يجب أن لا تكون فردية فحسب بحيث لا تصل لأحد ومن هنا يمكن أن نقول أن إصلاح الأفراد كما أشارت له الآية الكريمة هي أساس أي تغيير مجتمعي وأن اصلاح الواقع الاجتماعي المتخلف هو السبيل الى احداث نهضة حضارية. فمنظور مالك بن نبي يأخذ الروابط الاجتماعية التي هي مكون أساسي الذي يعطي للدولة والسياسة شكلها.

الحضارة عند مالك بن نبي هي “مجموع الشروط الأخلاقية والمادية التي تتيح لمجتمع معين أن يقدم لكل فرد في كل طور من أطوار حياته المساعدة الضرورية ” ويرى مدى ارتباط الدين في نشوء الحضارات فأينما وجد الوحي أو الدين فهناك تنشأ الحضارة. فالبعودة الى الحضارة الأولى في الاسلام يمكننا أن نجد طريق الاصلاح. ويلاحظ مالك بن نبي أن أغلب محاولات الاصلاح في العالم الإسلامي كانت معالجة للمرض الحاصل في المجتمع وليس علاج للأسباب المؤدية لهذه الأمراض ويصورها كالمريض الذي يذهب لصيدلية لشراء دواء لمرض لا يعرفه. ومن أجل أن نمتلك القدرة على علاج هذه الأسباب علينا بداية أن نفكك الحضارة كما يفعل الكيميائي الى مكوناتها الأساسية، فما نأخذه نحن من الحضارة الغربية ينحصر بمخرجات الحضارة المادية أو الشيئية ومن هنا يضع لنا مالك بن نبي معادلة الناتج الحضاري ب:

ناتج حضاري = إنسان + تراب + وقت

وقد وضحها لنا في فصل خاص بكل منها. الا أن الناظر الى هذه المعادلة يمكنه أن يرى أنها بالمجمل مكونات مادية يعزوها البعض الى تأثر مالك بن نبي بالحضارة الغربية الا أنه لا يهمل هنا أن من أجل أن تنجح هذه المعادلة علينا إضافة عامل مساعد كما يفعل الكيميائي حتى تنجح تجربته وهي هنا: الدين.

يرى مالك بن نبي أن الدورة الحضارية لأي مجتمع يمكن تلخيصها بثلاث مراحل للتطور:

–  المرحلة الأولى: النهضة أو الميلاد وهي طور صاعد. (الروح)

–  المرحلة الثانية: الأوج وهي تسير بخط متوازي. (العقل)

–  المرحلة الثالثة: الأفول وهي طور هابط. (الغريزة)

وكما بينّا سابقاً، فإن مالك بن نبي يعتبر الدين الدافع الأساسي وراء بناء الحضارة. ففي المرحلة الأولى التي أطلق عليها مرحلة الروح، يتحرر فيها الانسان من سيطرة الغريزة وتسيطر عليه صيحة الروح، تلك الصيحة التي جعلت بلال بن رباح يقابل جلدات جلاديه ب “أحدٌ أحد”، تلك الصرخة التي حررته من الألم الغريزي ولبّى فيها نداء الروح، تلك الرغبة بالتحرر من صوت الغريزة حيث لم يكن للعقل هنا أي دور بعد في هذا الطور. وتنشأ هنا ما يسميها مالك بن نبي ميلاد الفكرة الدينية للحضارة.

تستمر هذه الفكرة الدينية المميزة للمجتمع بالتطور حيث تنتج حاجات وضرورات جديدة لا ترتبط بالضرورة بالمظاهر الروحية للدين بل تكون مادية بحتة. ان توازن هذه المتطلبات الروحية والمادية للمجتمع تصل بالمجتمع الى أوجه في المرحلة الثانية وتستمر بشكل متوازي مع تطور هذه المجتمعات بالنسبة للزمن. يظهر صوت العقل في هذه المرحلة وتكون سيطرته أعلى من سيطرة الروح على المجتمعات ويمكن ملاحظة ازدهار العلوم والفنون في هذه المرحلة.

في مرحلة الأوج تملك المجتمعات الخيار في اطلاق سيطرة العقل على كل شيء ومن هنا تنحى المجتمعات الى منحى مادي (مثال الماركسية) لا يملك السيطرة على الغريزة كما تفعل الروح، أو العودة الى سيطرة الروح بالمطلق مع إهمال للجوانب المادية والعلمية أو أن توازن بين هذين المكونيين. يرى مالك بن نبي أن اطلاق العنان لسيطرة العقل على المجتمع يعيد للغريزة دورها بالسيطرة على الأفراد لندخل بعدها في الطور الثالث وهو الأفول. ومن الملاحظ أن إنسان ما قبل الحضارة يتمتع بروح وطاقة عالية على التجديد بينما انسان الحضارة يفقد هذه الطاقة تدريجياً فيفقد قدرته على التجديد والإصلاح الا اذا أصلح نفسه كما أشارت الآية اليه. فالمجتمعات عليها أن تحافظ على هدف ومعنى متجددين اذا أرادت أن تستمر في تحقيق نهضتها الحضارية.

من الأموراللافتة للنظر عند قراءة الفصل الخاص بمركب الحضارة (الانسان) هو تعريفه للانسان المدني، فمالك بن نبي يرى انسان المدينة بأنه نصف فكرة ونصف تطور وهو احدى الأسباب في عجزه الذي نراه الآن على التجديد. والمقصود بهذا هو أنه ليس رجل فطرة بالكلية (انسان القرية او البادية وكما بينّا أنه نقطة انطلاق) وليس رجل حضارة بالكامل (يشكل الناتج النهائي أو أوج الحضارة) فهو يملك أنصاف حلول (أطلق عليها السياسة) يدور حولها.

وهذا يقودنا الى آخر موضوع سأتطرق له في هذه المراجعة وهي الثقافة. وستجد أن مفهوم الثقافة مرافق دائم عند الحديث عن الحضارة تجدها عند علي عزت بيجوفيتش، مراد هوفمان وغيرهم من رجال الفكر في العالم الإسلامي. يرى مالك بن نبي أن لفهم الثقافة علينا أن نميزها عن فهمنا الخاطئ لها في العالم الإسلامي بالعلم. فالثقافة مرتبطة بسلوك الانسان في المجتمع أكثر منها نظرية معرفية. فتصرفاتنا (صفات خلقية وقيم اجتماعية) وسلوكنا في المجتمع الاسلامي ككل يميزنا عن تصرفات وسلوكيات المجتمع الانجليزي على سبيل المثال، فثقافتنا مختلفة وبالتالي سلوكنا يختلف باختلاف ثقافتنا أما العلم والمعرفة فهي فردية تميز ما بين الراعي والمعلم مثلاً في المجتمع الواحد.

وبناءاً على هذا، فالمكون الاجتماعي للثقافة يمكن أن يأخذ هذه الأشكال:

–  عنصر الأخلاق الضروري لبناء الروابط الاجتماعية في المجتمع.

–   عنصر جمالي وهو يقود ما يسمى ذوق المجتمع العام.

–    منطق عملي والذي يشكل نشاط المجتمع.

–    فن تطبيقي أو ما يسميه ابن خلدون بالصناعة يختلف من مجتمع الى آخر.

وبارتباط الثقافة بالحضارة والتي تشكل المحيط العام الذي تنشأ فيه الحضارة وتتطور من خلالها يكون اتجاه الحضارة حسب المعادلة التالية:

مبدأ أخلاقي + ذوق جمالي = اتجاه الحضارة

وهما مكونين أساسيين لا يمكن الاستغناء عنهما في معرفة الناتج النهائي للحضارة. فبتغيير الأولويات أو ترتيب هذان المركبان تختلف الصورة النهائية للمجتمع. فإذا كانت الأولوية الأولى في المجتمع اعلاء الذوق الجمالي على الأخلاقي، مثال الفن العاري أو تطور الملابس في المجتمعات الغربية نرى كيف تشكلت الثقافة الغربية وبالمقابل اعلاء الأخلاق على الذوق الجمالي في المجتمعات الاسلامية ونظرتها للفن العاري الذي قوبل بالرفض من مبدأ أخلاقي وكيفية تطور الملابس التي تتسم بالحشمة.

شروط النهضة من الكتب التي تستحق القراءة لاحتوائها على الكثير من التساؤلات التي ما زلنا نطرحها اليوم ودعوتنا المستمرة للإصلاح في العالم الإسلامي والتي ما تزال في طور الأفكار ولم تأخذ الخطوة باتجاه التطبيق بعد. كنت أتمنى أن يطول الكتاب أكثر الا أن كتب مالك بن نبي الأخرى في سلسلته مشكلات الحضارة تطرقت الى معظم هذه الأفكار بالتفصيل للباحث على تفاصيل أكثر.