مدينتي صمتي

فان كوخ

يسحرني الصمت، يشدني اليه كما كانت تشدني حكايات جدتي عن الغولة التي تسكن البستان المجاور… أو كصمتنا عندما نتسكع في دهاليز الذاكرة… لا لشيء بل كي نفتش عن العدم الكامن فينا بحثاً عن العزلة أو الصمت المطلق. الصمت لغة لا تفهمها الا العيون والعيون مرآة الروح… مفتاح… يفضح أعماقنا …يعرّينا… ويهبنا الى المطلق… كما تهب الغجرية جسدها للموسيقى لا لشيء سوى الاتحاد مع اللازمن…

يقول حسين البرغوثي أن لكل اسم مدينة ينتمي اليها… ومدينتي صمتي… احملها معي الى حدود اللاشيء حيث لا شيء هناك سوى العدم وخطوط لامعة منحنية تعصف بعقلي تمنحني العزلة المطلقة… وأغرق… بداخلي بئر عميقة أضعت فيها نفسي… أناي… عندما التقينا صرخت لأبي أن بداخلي أمرأة أخرى تكلمني… خفت… فأفلتُّ يدها الى الأبد… ومن يومها أبحث عن نفسي لأجدني… وما وجدتني الا في غياهب الصمت ووحدتي…

مدينتي صمتي… وعقلي ريشة فنان صاخب ينثر الألوان كما اتفق… وعيناي شبابيك تعكس فوضى ذهبية كألوان لوحات فان كوخ… صاخبة كشمس الظهيرة في جبال الخليل… وأنا أغرق في شلال من الخيوط الذهبية… أكرهها… عيناي شبابيك تعكس صخباً وألوان… والصمت سراب… يشدني اليه برتابة أزيز الصراصير… في شمس ظهيرة قائظة… في جبال الخليل… وأنا أغرق… في لحظة صمت على حافة اللامكان… والزمن رتيب… وعقلي شلال لا يهدأ…

مبارك الملبوس والبسوا يا محمد

امبارك الملبوس والبسوا يا محمد …. امبارك الملبوس

وعينك عالعروس …. ثِمك يحاكيني وعينك عالعروس

محمد راح يمّا لما كانوا يصلوا الفجر بالحرم…. محمد راح

امبارك  لعكال والبسوا يا محمد… امبارك لعكال

لسّا أبوي بغنيلوا يمّا

امبارك الجُكيت والبسوا يا محمد… مبارك الجُكيت

…………..

لا توقدوا الليلة شموع الأمل ولا ضياء الغد في بيت الشهيد حتى لا تشوهوا بسمته بجبنكم… بزيفكم…

دعوا والداه يكفنانه بين دمعتين… بين تسبيحتين… وغصة…

دعوه يلملم أشلاءه في خشوع… يغتسل بدمه من عاركم…. ليتطهر منكم ويمضي…

فاتحة الكتاب وبضعٌ من سورةٍ رتّلها على عجل…

نطق الشهادة…

في حضرة الخليل…. يُكرم وفادته…

……………

في وطن القهرِ

الكل شاهد قبر!!

الكف والوجه والغيم وأشباح المساء….. وذاكرتنا العتيقة….

حتى المساء يهبط متسللاً

كيلا يجرح صوت الأذان…

وهناك يعدو الموت مهرولاً بين الزقاق

في كف طفلٍ أو إمامٍ ساجدٍ … لا فرق

الليل والفجر يختصمان…

فقوافل الصاعدين الى السماء على عجل

والوطن لا يكفيه كتفٌ واحد كي يغفى عليه…

…………

وطني… نم على كفّي… وكفكف دموع العمر

وانطق بالشهادة….

………..

قولوا لإمه تفرح وتتهنا…. ترش الوسايد بالعطر والحنا

 ** مذبحة الحرم الإبراهيمي 25/02/1994

وفاء الأحرار… 18/10

كلوحة سريالية يتكفل برسمها عقلي الباطن تتوالى أحداث صفقة وفاء الأحرار في مخيلتي…

Palestinians who were freed from Israeli jails as part of a prisoners exchange deal arrive at the Rafah border crossing in the Gaza Strip

وسّعوا الميدااان.. لبنيّ الولد… وسّعوا الميدااان…

حضن دافئ بحجم السماء… حضن الوالد لابنه الأسير المحرر

*****

اليوم حنينا الزغار والحجار… اليوم زينّا الدار…

يا حبيبي يمّا…

*****

الرصاص يزغرد في الهواء…

اليوم زفة الأبطال…

*****

“وتزيني يا دارنا .. بالثوب الغالي … واحكي هلا بأحرارنا .. رجعوا الغوالي

يللي ضحوا بأغلى سنين .. صمدوا في ليل الزنازين … ورفعوا راسك يا فلسطين … والله والله بالعالي”

*****

يا رب ترجعلنا أسرانا… لا تنسوا أسرانا في سجون الاحتلال

صفقة وفاء الاحرارصفقة وفاء الاحرار

أتُراني يوماً واقفٌ على أعتابِك

2End-of-examinations

في حدةٍ مصطنعةٍ أو غير مصطنعة

 لم تعد تعنيني أيها السراب الحر

 من الوهم الى الحلم…

الى صيرورةٍ لم تكن يوماً أنا…

ولم تعد في حساب العمر أكثر من

شهقةٍ على أبواب لو أو كان لو كان ثم انقضى…

**********************************

كسير الشهيد في جنازةٍ منقوصةٍ من روحه

من اسمهِ… من رسمهِ… من كلمات تعلقت بالريح…

هي الكمال بعينه…

انعتاقٌ ثم ميلادُ الفتى على حافة التاريخِ

لا هو عائدٌ للخلف لحظة الميلاد ولا سابقٌ خطو الجموع الى اللحدِ…

**********************************

هي هكذا… سيرٌ بطيءٌ الى الغياب…

عند السقوط

في مستنقع النسيان…

لا شيء لي… ذكريات الطفولة وأول موعدٍ للشمس عند المغيب

وحنينٌ الى ماضٍ تخلّف.. لم يأت بعد…

أتراه يأتي حينما تزهر الأوراق من قلب الشهيد

أم يبقى هناك في اللامكان بيني وبينه في اللازمان…

**********************************

نصف الحقيقة يا أخي كان لي…

ها أنا أرميه خلفي أو غاب فيّ… لا يهم

ونصفها الثاني كان لي… في لحظة البحث المُمِضّ عنها أو عني… لا يهم

فهذه الدنيا لم تعد لي… لم تعد لي.

** بتصرف من “سيري ببطء يا حياة كي أراك بكامل النقصان حولي” لمحمود درويش

بعضٌ من جنون

(ما بين الأقواس مونولوج داخلي أو فِعْل)
المشهد 1: يحلو لي أن يكون على شاطئ الرملة البيضاء في بيروت بعد الفجر بقليل
المشهد 2: مكتب مقابل نافذة تطل على باحة المنزل الخلفية، بعض النباتات المزهرة على الشباك ويمكن مشاهدة ظلال رؤوس المارة من خلف سور المنزل الذي تظلله الأشجار الوارفة وفي البعيد أصداء تتردد لإقامة صلاة الظهر.

الرملة البيضاء بيروت

حسناً حسناً سأحاول من جديد
(1)
وبينما كان على وشك أن يجر قاربه على حافة الشاطئ واذ بنسمةٍ عابقةٍ برائحة البحر تنصهر برأتيه محدثةً انتشاءةَ فرحٍ عابرة لم يشعر بمثلها منذ أيام دراسته الجامعية… يااااه لو تعود أيام اللامبالاة تلك لكنت أسعد الناس…

اللعنة على تلك الذكريات، ها هو القارب يستقر بعيداً على الحافة الأخرى من الشاطئ… هل يجب أن يبقى الحال هكذا دائماً ! كلما قاربتُ على الوصول انتهى بي المطاف بالعودة مجدداً الى نقطة الصفر.. وحي…

لا… لا أستطيع أن أكمل… كل قصة تبدو لي أسوأ من سابقتها.. ومبتذلة أيضاً

dglyer-kilns-window

(2)
أصوات طلاب المدارس وهم عائدون يملأ الحي ضجيجاً لا يحتمل، وكيف لكاتب مثلي أن يحتمل كل هذا الصخب، على أيامي كانوا يعطوننا حصصاً اضافية (اللعنة… حتى حصص الرياضة كانوا يعطونا بدلاً منها حصص رياضيات)… علي أن أركز أحتاج بعض الهدوء… ها نحن قد جاوزنا الظهيرة بساعات وما زالت العصافير تزقزق غير عابئة بحاجتي الماسة للسكينة… يا الله… ومن يرغب بشراء بعض الخضروات الان لقد سبقك الجميع صباحاً، بالله عليك ابتعد بسيارتك الحمقاء عن منزلي… لا لا… ما بالي وبجرة غاز الان ولا يوجد لدي أي خردوات للبيع… ااااااااه… ألا يمكن أن يكف هذا العالم عن الكلام والصراخ ولو للحظة (ويغلق النافذة ويتكئ على حافتها).

حسناً حسناً سأهدأ الان… سآخذ نفساً طويلاً عللي أهدأ قليلاً ويعود لي إلهام الكتابة من جديد.. مهلاً… أهذه الزهرة عابسة وأشاحت وجهها تواً أم أنني أتوهم… يا الهي لقد نزلت دمع..ه (ويفتح النافذة بسرعة).

اهدأ اهدأ… ما حصل الان.. كلا اللعنة… هذه الزهرة تبك…ي… أيعقل أن… كلا كلا.. أيكون السبب أنني أبعدت الزهرة الأخرى عنها… يا الهي… والله لم أقصد أن أفرقكما كل ما أردته أن أضع القليل من المسافة بينكما كي تتغذيا بطريقة أفضل.. هذا ما قرأته عن الأشجار وتوقع…
كفى… بالله عليك كفى… ما فعلته بي الى الان يكفي…
ولكن…
بدون ولكن…
أنا لا أفهم شيئاً… ثم ما بالي أكلم زهرة.. هل جننت (ويضع يده على جبينه ليتأكد عساه مصاب بالحمى ويهذي!)… لا لا… لا بد أنني أهذي.. ولكن… ما بالك تعاتبيني بدل أن تشكريني… يا لجحودك… أهكذا يُقابل الصنيع الحسن هذه الأيام… أنا أردت مصلحتك وحسب !
وما أدراك بما يصلح أو لا يصلح لي… ثم ما بالك تقتحم علي حياتي هكذا… لا أعرف لماذا فعلت فعلتك تلك من الأساس ولماذا انتهى بك المطاف باعادة الزهرة الأخرى الى مكانها… تهز كياني يومياً بهذيانك مئات المرات… وأنا لا أعرف ماذا تريد مني…
أحادث نفسي فحسب ويصدف أن أكون على النافذة !
رجاءاً لا تقاطعني لم أنتهي بعد… وها أنت بعد قليل ستقفل نافذتك وتذهب… وتتركني أصارع هذيانك وأفعالك وحدي…

لكن… لدي رغبة عنيفة بكتابة كل هذا… يداي تستحثانني على الكتابة… اكتب اكتب… لكن أنا… لا أريد… لم أقصد هذا… لم أشأ أن يكون هكذا… أنا اسف حقاً… لم أكن أريد أن أؤذيك والله… مجرد مصادفة محضة… رؤيتك هناك على النافذة كل صباح تبعث فيّ كل مشاعرالطمأنينة والرغبة في الكلام… أن أعبر عن نفسي فحسب… ثم… اللعنة… ما هذا الشعور الطاغي بالكتابة… ان قدماي تسوقانني مرغماً الى مكتبي لأكتب… ذلك الصوت ما زال يتردد… أكتب أكتب… أكتب أكتب…

لكن أنا لا أريد… هذه المرة… كلا لا أريد أن أقتحم عالم أحدهم هكذا و… أشعر بالاختناق… كلا كلا… تجتاحني لسعة برد قوية تصل عظامي… يا الهي… إني أهذي… توقف أرجوك… ليس الان لم أنتهي بعد… ما هذا الظلام الذي يتسلل الأن… (أتكون نهاية العالم قد حلت)… لا لا لم تتحقق العلامات بع…د… رجاءاً يكفي أشعر كأن عظامي انكفأت علي.. اااااااه ما هذا الألم… بالله عليك يكفي (وتنهمر دموعه كالشلال)… توقف توقف…
….
أشعر كأنني مررت بهذا من قبل… هذه الرائحة… هذا الملمس… ناعم وأملس… يداي … يا الهي… سوداء يداي… من أين يأتي هذا النور… رائحة ورق… هل يعقل… أنا…
….
اللعنة…

Old%20Book

ورقة خريف

masks

خريف خريف يا رجل…

الخريف جميل تتساقط فيه الأقنعة…

أنت لا تفهم يا رجل… صمت… صمت مخيف… والخريف عاجز عن الكلام…

كيف هذا والأوراق تتراقص على صفير الرياح… معزوفة لاستجلاب المطر… والمطر خير… تطهير لزيف القناع…

القناع شاهد قبر… وشاهد القبر بارد… بارد جداً ووحيد… ثم هناك أقنعة كثيرة… لكل قبر شاهد… وكل شاهد قناع… والخريف مليء بالأقنعة… تجتمع هناك وحيدة… وحيدة وتبكي يا رجل…

ولم البكاء وقد سقط القناع…

القناع أنا وأنا القناع… أنا أسقط يا رجل… والسقوط جميل بلا ألم… سريع بلا شعور بلا كلام… صامتٌ… صمتي أنا صمتٌ سعيد صمتٌ وحيد…. والريح تستنطقني يا رجل…

أنزعها اذن… تلك القيود… اصرخ وحرر هذا الألم…

لكن أنا… هذا الكلام صوتي أنا… ما أنا…

بل قل من أنا…

من أنا…

….

ورقة شجر… ورقة خريف!!

autumn_falling_leaf