نقد الليبرالية للطيب بوعزة

6868689

من المهم بمكان الاتفاق على تأصيل فكري وفلسفي لمعنى الحرية قبل الانتقال الى محاولة فهم الفكر أو الفلسفة الليبرالية وذلك بسبب جنوح الكثيرين الى اختزال الفكر الليبرالي بالدعوة الى الحرية متناسين النشأة التاريخية والقيمية لليبرالية كفلسفة أو أيدولوجيا يتم الدعوة اليها كأنها الحل الأوحد أو الحتمية النهائية للتاريخ.

إن الحرية كفعل أو إطار قيمي يتمركز بالأساس على مقدرة الإنسان على الإختيار وما يترتب عليها من حالة إدراك ووعي وإرادة ورغبة تتجاوز الحتمية الموضوعية التي تحكم عالم الأشياء (كما يسميها مالك بن نبي) أو العالم البراني (كما يسميها علي عزت بيجوفيتش) أو الطبيعة. ومن هنا يمكننا القول أنه لا يوجد هناك حرية مطلقة فهي بالأساس حرية مقيدة أولاً بسبب انتمائنا أو وجودنا في عالم مادي تحكمه حتميات وجودية تتمثل بدوران الأرض حول الشمس مثلاً أو أننا نتنفس الهواء كي نعيش. كل هذه المحددات لا تنتمي بالضرورة الى الفعل الأخلاقي أو القيمي الذي ينتمي اليه فعل الحرية لكن هي حتميات لا يمكن تجاوزها بالضرورة.

ثَم هنالك أيضاً عوالم أخرى تحكم فعل الحرية وهي العالم الجواني كما يسميها علي عزت بيجوفيتش وهي نزعتنا المستمرة نحو تلك القيم العليا أو المقدسة، نحو فعل الإختيار والإرادة والرغبة. هذه النزعة أو التوق المستمر نحو فعل الاختيار سواء نحونا الى الحقيقة في طلبنا للعلم أو الجمال في طلبنا للفن ونحوها هي طبيعة جبلية خُلق عليها الإنسان أو ما نسميه نحن فطرية التدين. فكل هذه الأفعال هي بالضرورة تكّمل وعينا بوجود قوة أكبر منا قادرة على الفعل.

ومما يزيد من نسبية الحرية وعدم إطلاقها هو انتمائها ونسبتها للإنسان. فعلاقة الإنسان بالإنسان مبنية بالأساس على فعل ناقص لا يكمّله الا انطلاقنا نحو المقدس نحو الله وهي العلاقة التي تمنحه صفة الكمال. أما من ناحية سوسيولوجية (اجتماعية) فنسبية الحرية تنطلق فعلاً من انتمائها الى إطار محدد يتمثل بالييئة أو الموروث الثقافي لأي مجتمع انساني. وإن أردنا مقاربة أكثر واقعية للتباين والتمايز بين المجتمعات وبالتالي نسبيتها وعدم إطلاقها هو ما أورده مالك بن نبي من مقاربة بين قصة إبن طفيل حي بن يقظان وقصة روبنسون كروزو.

ففي قصة حي بن يقظان، يجد حي نفسه بعد نفوق الغزالة أسال في حالة توجه مستمر الى عالم الأفكار الى ماهية الروح والفكر متدرجاً في الوصول الى فكرة الإله والتي بها يتغلب حي على وحدته. بينما قصة روبنسون كروزو نجد توجه مستمر نحو عالم المادة والمتمثل بالعمل وكيفية إيجاد سبل الاستمرارية والحياة. ان المقاربة بين هاتين القصتين يوضحان البون الشاسع بين الفكر الشرقي والغربي النابعين من موروث تاريخي وثقافي وحضاري كبير لا يمكن تجاوزه بالأساس.

بالعودة الى الطيب بوعزة، من خلال هذه الدراسة المتعمقة بالفكر الليبرالي، ينطلق بوعزة في نقده لهذه الفلسفة بناءاً على منهجية مردها:
1- مقاربة فلسفية للأسس المعرفية والمفاهيمية لليبرالية.
2- مقاربة تاريخية وسوسيولوجية للنسق الليبرالي المجتمعي.

ويخلص هنا الى تعريف الليبرالية على أنها “فلسفة اقتصادية وسياسية ترتكز على أولوية الفرد بكونه كائناً حراً”. فبعد دراسة الفكر الليبرالي تاريخياً على أيدي منظريه المتضارب على ما يبدو فيما بينهم، تبين أن أساس ظهور هذا الفكر هو دخول الثورة الصناعية ومحاولة تحرير الشعب من سيطرة الإقطاعيين حتى يتم استغلالهم في المصانع. “فالليبرالية لم تنشأ كتأكيد لحرية الانسان، بل نتيجة الحاجة الى استغلاله بطرق مغايرة للاستغلال القناني، طرق جديدة تناسب الثورة الصناعية”. والأمثلة على هذا كثيرة ابتداءاً من ابادة الهنود الحمر وليس اتهاءاً باستعمار شعوب افريقيا.

بعد وضع الليبرالية في اطارها التاريخي، يمكن مناقشة الجوانب السياسية والاقتصادية منها كما يلي:
النظرة السياسية: بعد مناقشة وتحليل كل من ميكافيلي وجون لوك ومونتيسيكيو، نخلص الى ما يلي:
1- الفصل بين السياسي والأخلاقي، بحيث تنحصر السياسية بنظرة مادية شيئية بعيدة عن القيمية والغائية أي أنها قائمة على أساس المصلحة المرتبط تحديداً بالمنفعة الخالصة للفعل السياسي.
2- الرؤية الذرية للوجود الاجتماعي، أي أنها قائمة على أساس الفردية ومجموع قيم الأفراد مقابل قيمة الجماعة.
3- النزوع نحو تحرير الفرد، والفرد المقصود هنا هو الفرد المالك ذو الدلالة الاقتصادية، أي أصحاب رأس المال.

* يعتبر هذا الفصل من الفصول الدسمة فكرياً وفلسفياً، ويمكن الاحالة على سلسلة دروس العدالة من جامعة هارفارد للوقوف على النظرة الفلسفية والأخلاقية لهؤلاء. سعيدة بمشاركة من يرغب بحضور هذه السلسلة ومناقشتها 🙂

النظرة الاقتصادية: ويمكن تلخيصها بكون الانسان كائن اقتصادي بحيث يتم تأطير الانسان بنمط مادي يحكم تفكيره وتصوراته ووجوده بالأساس. تم هنا مناقشة أفكار أدم سميث بما يخص اقتصاد السوق ورأس المال. ويمكن أن نخلص من هذا الفصل بالقول أن الفسلفة الليبرالية قائمة على المنفعة الخالصة كما قام برسم معالمها كل من بنتام وجون ستيوارت ميل.

* أحيل هنا الى كتابي جون ستيوارت ميل “عن الحرية” و”النفعية” لمن أراد الاستزادة عن هذا الفكر.

النيوليبرالية أو الليبرالية الجديدة: ومن أهم مدارسها المدرسة النمساوية ومدرسة لوزان ومدرسة كمبردج. وبدراسة هذه المدارس خلص الطيب الى أن “المشروع النيوليبرالي لا يهدف الى تحرير الانسان، بل تحرير الرأسمال الاقتصادي من كل قيد، بما فيه قيد القيم، وتحجيم سلطة الدولة لتتصرف القوة الاقتصادية كما تشاء”. أو كما يقول دوغورناي دعه يعمل دعه يمر.

ويختم أطروحته بالحديث عن الخطاب الليبرالي العربي وهو كما قد توصلت اليه مسبقاً هو خطاب يخلو من أي نقد أو تطوير ويتبنى هذا الأفكار المقولبة جاهزاً بدون أدنى وعي تاريخي وقيمي لهذه الأيدولوجية. وهي دعوة قائمة أيضاً على التخلي عن الفكر الأوروبي والذي يضع حقوق الانسان كحجر أساس في منظومته الفكرية (وهنا لا بد أن نذكّر أن حقوق الانسان في الفكر الغربي قائمة بالأساس على إلزامية قانونية أكثر منها أخلاقية وبالتالي فهي لا تختلف بالأساس عن علمانية الفكر الغربي القائم على فصل الفعل السياسي والاقتصادي عن الفكر الأخلاقي) والتأكيد فقط على الفكر الأمركي حتى لو جاء على ظهر دبابة في سبيل تحقيقه (ولنا في صندوق النقد الدولي وقفة هنا أيضاً ).

خلاصة قول الطيب بوعزة هو نقد مقولة الفيلسوف الأمريكي فوكوياما أن الليبرالية تمثل نهاية التاريخ وأنها صيرورة حتمية لجميع العالم، وأنه ما دام هناك فكر وعقل ينقد سيأتي اليوم الذي سوف تنهار بها هذه الفلسفة كما انهارت من قبلها الماركسية والشيوعية لانفصالها عن روح التاريخ وانفصالها عن القيم والموروث الشعبوي للأمم والشعوب.

وأختم بما قاله الرافعي: “الدّين حرية القيد لا حرية الحرية، فأنت بعد أن تقيد رذائلك وضراوتك وشرّك وحيوانيتك – أنت من بعد هذا حر ما وسعتك الأرض والسماء والفكر، لأنك من بعد هذا مكمِّل للإنسانية، مستقيم على طريقته”!

* عن الحرية: https://www.goodreads.com/book/show/16131687
** النفعية: https://www.goodreads.com/book/show/16238988
*** Justice Harvard Series: http://www.justiceharvard.org/watch/

Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out / Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out / Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out / Change )

Google+ photo

You are commenting using your Google+ account. Log Out / Change )

Connecting to %s