من كتاب دستور الأخلاق في القرآن

الاخلاق

يحدثنا محمد عبدالله دراز في كتابه “دستور الأخلاق في القرآن” عن مصادر الإلزام الأخلاقي قائلاً:
استطاع الفيلسوف الفرنسي “هنري برجسون” في تحليله العميق للإلزام الأخلاقي أن يكتشف له مصدرين: أولهما: قوة “الضغط الاجتماعي”، والثاني: قوة “الجذب” بمعناها “الإنساني” الشامل أي ذي النفحة الإلهية.

لكن لتحقيق الصفة الأخلاقية كما يقول دراز لا يكفي أن يكون المثل الأعلى في نظرنا هدفاً لأمل “حماسي” ولا أن يكون أمراً ملزماً من المجتمع يشبه “الضريبة” الجبرية. وإنما يجب أن يجتمع هذان العنصران في ضمير الفرد ثم يخرجان في ثوب جديد “قائم” على مبدأ قانوني يؤيدهما ويوجههما “العقل”. وهذا ينطبق على كل خضوع لا مبرر له يصدر عن نوع من القهر الإجتماعي. ولهذا نجد القرآن يقف دائماً ضد عدوين قديمين للسلوك الأخلاقي: اتباع الهوى (وَلَا تَتَّبِعِ الْهَوَىٰ فَيُضِلَّكَ – ص 26) والإنقياد الأعمى (إنَّا وجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ وإنَّا عَلَى آثَارِهِم مُّقْتَدُونَ – الزخرف 22-23) فهل الذين يريدون اقتفاء أثر أسلافهم بلا تمييز، يرضون لأنفسهم ذلك حتى ولو (أَوَلَوْ كَانَ آبَاؤُهُمْ لَا يَعْقِلُونَ شَيْئًا وَلَا يَهْتَدُونَ – البقرة 170)

والقرآن يعلمنا أن النفس الإنسانية قد تلقت في تكوينها الأول الإحساس بالخير والشر (فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا – الشمس 8) وأنها مزودة مع ملكة البيان والحواس الخارجية ببصيرة أخلاقية (بَلِ الْأِنْسَانُ عَلَى نَفْسِهِ بَصِيرَةٌ وَلَوْ أَلْقَى مَعَاذِيرَهُ – القيامة 14) وأنه هدي طريقي الفضيلة والرذيلة (وَهَدَيْنَاهُ النَّجْدَيْنِ – البلد 8-10) حقاً (إِنَّ النَّفْسَ لَأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ – يوسف 53) ولكن الإنسان قادر على أن يحكم هواه (وَأَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوَى * فَإِنَّ الْجَنَّةَ هِيَ الْمَأْوَى – النازعات 40-41) وإذا لم تكن هذه السيطرة على النفس لدى كل الناس، فإن من عباد الله من يتمتعون بها بتوفيق من الله. وهذا ما قرره رسول الله (صلى الله عليه وسلم) في قوله “إذا أراد الله بعبد خيراً جعل له واعظ من نفسه يأمره وينهاه”. (مسند الفردوس صحيح من طريق أم سلمة ذكره السيوطي في الجامع)

فالمسألة إذن مسألة اختيار حر دنيوي لا علوي، يؤدي الى استخدامنا الحسن أو السيء لملكاتنا العليا. فالتربية “تزكيها” والإهمال “يفسدها” (قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا*وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا – الشمس 9-10)

Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out / Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out / Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out / Change )

Google+ photo

You are commenting using your Google+ account. Log Out / Change )

Connecting to %s