صديقي سيوران 3

ابو حامد الغزاليجيفري لانغ

أفكر في الموت كثيراً ولا تقفز مباشرة الى نظرتك التشاؤمية فأنت ضحيت بالموت نفسه من كثرة رغبتك بالموت يا رجل لكنني أتحدث هنا عن أن حياة واحدة لا تكفيني كما يقول العقاد. كان شوبنهاور لا يرغب بالحياة لأنها آلام لا يرغب بالشعور بمعاناتها لكنني أعترف الآن يا صديقي أنني أتفق جزئياً مع نيتشه الذي قبل الحياة رغم آلامها ورغب بأن يعيشها لا مرة واحدة لكن مرات. وبما أننا نتسكع سوياً منذ فترة الآن أتصور أن حديثنا هذا عن الموت هو حديث روتيني لا نحتاج فيه الى ذلك التواطؤ الصامت بل سنتحدث عنه كأي حديث عابر على ناصية الشارع أو أمام كشك لبيع الجرائد.

أقول لك يا رجل أن الجاثوم زارني مرتان الليلة الفائتة ولا تنظر لي ببلاهة فأنا أتحدث عن شلل النوم كما تقولون إن لم يعجبك مصطلح الدكتور أحمد خالد توفيق الذي لا تعرفه بعد. وإن كنت اختبرت هذه التجربة كثيراً لدرجة تجعلني أصرخ بذلك الكابوس الجاثم على صدري أن إنصرف عني أو أقرأ آية الكرسي حتى يذهب. إن المرور في هذه التجربة يا صديقي يجعلني أفكر كثيراً بتجربة الموت. فالجسد مصاب بحالة شلل فمهما حاولت أن تحركه أو أن تصرخ لن ينفع معك بأي حال من الأحوال، وبما أنك في حالة وعي وإدراك تامّين يمكنك أن تسمع كل ما يدور حولك كصوت رنين الهاتف أو فتح وإغلاق الباب لكنك محبوس الآن داخل جسدك، في ظلمة سرمدية كمن أصيب بالعمى ولا يرى أمامه سوى العدم، تحاول أن تصرخ لكنك كالغريق فوقك أطنان من المياه فيخرج صراخك على هيئة موجات سرعان ما تتلاشى وتتبعثر في ظلماتٍ من تحت ومن فوق. إن هذا الحبس العقلي أو الذهني مخيف يا رجل لأننا لا ندافع هنا عن عزلتنا ووحدتنا كما كنا نثرثر سابقاً في سبيل الوصول الى العدم المطلق بل نحن نصرخ بيأس من أجل الحياة!!

كان ألبير كامو يقول أنه من الأفضل له أن يعيش مؤمناً بوجود اله وأن لا يجده عندما يموت على أن لا يؤمن بشيء وأن يجد بعد الموت أن هناك اله. لكني يا صديقي أؤمن بوجود اله ووجود بعث وحساب وأؤثره على هذه الحياة بل ان هناك الكثير من المرات التي تمنيت فيها أن أغمض عيني وأن لا أفتحها أبداً لكن لدي فضول لعين بمعرفة أنني سأموت يا رجل! أن أعرف الآن أنني مت لا أن أستيقظ فيما بعد لأجد نفسي محبوساً داخل عقلي وأعاني من شلل الموت هذه المرة وأنتظر قيام الساعة! لدي الكثير من الأسئلة التي أتمنى أن أسألها للله سبحانه وتعالى بدون حجاب اذا رزقنا الجنة بل تجتاحني رغبة عارمة بقيام الساعة الآن من فرط تلك الرغبة الملحة لكن مجرد المرور بمثل هذه التجارب تجعلني أخاف يا رجل!

سأقتبس منك – على الرغم من أنك تحذر من المفكرين الذين لا يعملون عقولهم الا انطلاقاً من الاقتباس – امعاناً في إغاظتك ليس أكثر “لا أقاوم العالم، أقاوم قوة أكبر، أقاوم تعبي من العالم”. عليك أن تدرك يا صديقي أننا نحن المسلمون على خلاف أتباع الديانات الأخرى وخصوصاً المسيحية لا نعيش على هذه الأرض محملين بعقدة الذنب والرغبة في الخلاص. فآدم عليه السلام لم ينزل على الأرض لأنه أكل من التفاحة المحرمة وبالتالي لا نحمل على أكتافنا ذنب الخطيئة الأولى والرغبة في الخلاص والتطهر من الذنب. إن الله تعالى يسوق على لسان ملائكته ” وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلائِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الأَرْضِ خَلِيفَةً قَالُوا أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ قَالَ إِنِّي أَعْلَمُ مَا لا تَعْلَمُونَ”. فقرار نزول آدم الى الأرض قد سبق خلقه وبالتالي نزوله لم يكن من باب العقاب كما يحدثنا جيفري لانغ في كتابه حتى الملائكة تسأل. فإن كنت يا صديقي ترغب بعيش أكثر من حياة واحدة ومع ذلك تعبت من الحياة وترغب في الهدوء والسكينة عليك أن تمتلك شجاعة محمود درويش لتصرخ “ونحن نحب الحياة اذا ما استطعنا اليها سبيلا” لكنني بعد التفكير… سأردد ما قاله أبو حامد الغزالي قبل موته!

قل لأخوان رأوني ميتا *** فبكوني ورثوني حزنــــا
أعلى الغائب مني حزنكم *** أم على الحاضر منكم هاهنا
أتظنون بأني ميتكم *** ليس ذاك الميت و الله أنـــا
أنا في الصور وهذا جسدي *** كان ثوبي و قميصي زمنا
أنا درٌ قد حواني صدف *** كان سجني فألفت السجنا
أنا عصفور وهذا قفصي *** طرت عنه فتخلى للفنـــا
أشكر الله الذي خلصني *** و بنى لي في المعالي ركنا
كنت قبل اليوم ميتا بينكم *** فحييت و خلعت الكفنا
فأنا اليوم أناجي ملأ *** و أرى الحق جهارا علنـــا
عاكف في اللوح أقرأ وأرى *** كل ما كان و يأتي أو دنا
وطعامي وشرابي واحد *** هو رمز فافهموه حسنا
ليس خمراً سائغاً أو عسلاً *** لا ولا ماء ولكن لبنا
هو مشروب رسول الله *** إذ كان يسري فطره فطرنا
فافهموا السر ففيه نبا أي *** معنى تحت لفظي كمنا
لا تظن الموت موتاً إنه *** لحياة وهو غايات المنى
لا ترعكم هجمة الموت *** فما هي إلا نقلة من ها هنا

Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out / Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out / Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out / Change )

Google+ photo

You are commenting using your Google+ account. Log Out / Change )

Connecting to %s