الضوء الأزرق – حسين البرغوثي

حسين البرغوثي

تعرفت على حسين البرغوثي عند مناقشة كتابه الضوء الأزرق على موقع أبجد ولقد حرت كيف غاب عني كاتب فذ استطاع أن يسبر أغوار النفس البشرية بمثل هذا العمق والوضوح بل قرأت صفحات من حياتي من خلال مذكراته!! ربما كان هذا السبب الذي دفعني أن أقرأ الكتاب مرة أخرى بمجرد الانتهاء منه… حاجتي لمعرفة نفسي أكثر من خلال التشابه الكبير الذي جمعني به من حيث أننا من فلسطين وأزمة الهوية التي نعاني منها كالعادة… ذلك التوق الشديد الى الحرية والرجوع الى الجذور… العشق الكبير لبحر بيروت ناهيك عن ذلك الصراع بين عيش الواقع والعيش داخل رأسك!!

هذه السطور كتبتها كمراجعة سريعة لمشاعري المختلطة بعد الانتهاء من القراءة الثانية للكتاب.

الضوء الأزرق

يقول ارنست همنغواي: “There is nothing to writing. All you do is sit down at a typewriter and bleed.”!!

وما فعله حسين البرغوثي في سيرته الشخصية الضوء الأزرق أن سكب دمه على ورق. ولا أعلم حقاً كيف تتم كتابة مراجعة لكتب السير الشخصية حقاً لا أعلم!!

أن تكون مسجوناً داخل نفسك من أصعب التجارب التي يمكن أن يمر بها الانسان، أن تصنع من دموع قلبك المجروح مشنقتك، ذلك القلب الذي أخبره “بري”: “قلبك لم يتعلم أن يشعر يا رجل، ولا أن يعيش في شعوره، الا في حالة واحدة: تحويل نفسه الى جحيم”، وماذا فعل جحيم حسين في قلبه بعد أن استحكم عقله بتلابيب حياته: “… عندما يستولي العقل على الروح، يجف القلب، يا رجل أنت جاف…”

بين حياة حسين داخل عقله وخارجه، مرّ العمركطائر نسر يحلق في فضاء الذاكرة وحسين تربته، لا تلك التربة كونت وعياً لتعرف معنى التحليق في الفضاء ولا ذلك النسر تملكه فضول العيش على اليابسة.. ف حسين طفل الجبال الذي تفيض نفسه طوفاناً من بحر ضاع في دوامة عقله، ماضيه، أقنعته، أناه، هويته ولم يجد منجى من الضياع الا التعلق بقشة الجنون!! “قلبك يختنق .. قلبك يختنق يا رجل!”

في علم النفس هنالك مصطلح يسمى :فنجان العواطف (emotional cup) وكل شخص فينا يمتلأ فنجانه بالعواطف بناء على تجربته السابقة، وهذا الفنجان كالتربة لا تستطيع أن تزرع فيها حتى تحرثها وتنقيها من الشوائب وفنجان حسين ممتلأ حتى الثمالة.. ذلك الطفل الصغير التائه بين جبال رام الله باحثاً عن بحر بيروت والذي دفعه عدم فهم الناس له ان يعيش داخل رأسه وأن ينغلق أكثر وبين ذلك الشاب الغريب ذو الهوية الضائعة كنهر الأردن فلا هو استطاع أن ينتمي الى شرقي النهرولا الى غربيّه… وكيف يمكنه أن يفرغ فنجانه لكي يفهم و “الانسان هو تجربته، وذاكرتي من تجاربي”… ولكي يحسم حسين أمره سافر الى سياتل علّه يجد فيها هويته الضائعة ويفهمها ولكن كما قال كيف لانسان ينتمي الى ذلك النوع من الناس الذي لا يمكنه أن يحسم كل حياته لاخر ذرة من قلبه من أجل أي شيء في هذه الدنيا.. وكيف يفهم و”ذهنك سعدان لدغته عقرب ماضية، فصار ينطُّ ويزعق: وع! وع! وع! وع”…

لكل منا “بري” الخاص به سواء كان انساناً من لحم ودم أو ضوءه الداخلي (لوّنه بأي لون شئت) أو أناه أو فطرته… ذلك الطوق الذي نجد فيه نجاتنا من الجنون خاصتنا… ولم الجنون، الجنون من محاولة الفهم وما هو الفهم (الفهم هو أن تفهم ما هو الفهم، وماذا بإمكانه أن يفعل).. وماذا ان فهمنا، ان فهمنا لن نستطيع اشاحة وجوهنا عن ذلك الشيء الذي هو سبب مأساتنا أو جنوننا أو عقلانيتنا فلتكن ما شئت.. ذلك الشيء الذي نعرفه بقلوبنا وندركه بعقولنا ولكننا لا نريد أن نراه أو بالأحرى نخاف من رؤيته لأننا سنرى حقيقتنا – تلك التي يصفها كارل يونغ بال (persona) وهي كالقناع الذي يقدم للناس انطباعاً عنا نحن خلقناه بأيدينا ومن ناحية أخرى يخفي طبيعتنا الحقيقية… “أعطني من فضلك، ماذا؟ قناعاً اخر، قناعاً ثانياً”… – “وبري كان يراه! وكنت أريد أن أرى ما يراه، ولا أكاد أحتمل ذلك”!!

هزتني هذه السيرة بعنف أكبر مما توقعت، فالتشابه بين ذاكرة المكان والأحداث والجنون كبير الى حد لا يطاق!! وكل ما فعلته عندما انتهيته للمرة الثانية أن صرخت لمَ لمْ تجد الحل يا حسين فلقد تعبنا من هذا والله…

“وعلي أن لا أصارع الناس في دنياهم، سأعزل نفسي في قوقعة من علاقات قليلة، مع بشر استثنائيين فقط، بأقل عدد ممكن، وسأتحول،… من شخص استثنائي في عالم عادي الى عادي في عالم استثنائي، وسأتجنب أي صراع لا جدوى منه، سأتجنب، كشبح لا يخرج من بيته الا بعد منتصف الليل، ماشياً في الأزقة الخلفية،… وكل ما أرجوه ألا ينتبه أحد لمروري، أعطني من فضلك، أعطني، ماذا؟ قناعاً اخر، قناعاً رابعاً”….

——————————————

ما بين ال “…” منقول من نص الكتاب…

——————————————

بعض مما اقتبسه من الكتاب:

“أن تتأمل نفسك يعني أن تفهم ما كنت تعرفه دائماً من غير أن تفهمه”

“أحيانا اللطف مع الناس جريمة ضد النفس”

“قالت “أنت تحيا داخل رأسك”
صدمتني دقة الجملة” أحيا في رأسي”
أي لست حتي نصف حي, أي في صحراء أو جثة, لا فرق.
من الخارج كنت مرحا, واثقا من نفسي,و أفيض بالحياة, أدعي ذلك أو أتظاهر به, و لا أدري أين نفصل بين الإنسان و ما يدعيه عن نفسه,و يتظاهر به”

“إن شخصا لا يعطيني معرفة, و يوسع مداركي, و لا يأخذ مني معرفة و يوسع مداركه شخص لا حاجة لي به”

“لا تعتقد، افهم، عندما يستولي العقل على الروح، يجف القلب، يا رجل، أنت جاف”
“وما هو الجفاف؟”
“نوع من الزيف”
“وأنا زائف؟”
“نعم!”

“يا إلهي كم يصبح العادي طموحًا أحيانًا”

“في الفن يجب أن تلامس الجنون دون أن توقظه”

“هذا هو الذهن :فنجانك الذهبي .من طبيعة الذهن أن يكون فارغا , ومن طبيعة الفراغ أن يكون قابلا لأن تصب فيه أي رأي,أو نظرية ,أو مذهب , أو معرفة , أو شعور ,أو ذكريات .
ميز بين الذهن و محتواه كما تميز بين الفنجان و الشاي الذي في الفنجان يا رجل !”

“وأفكر و أفكر و أفكر , لا قلبي يشعر بما أفكر به و لا عقلي يتوقف عن الهيمنة على روحي , كل فكرة قطعة حطب يابسة .. نقطة .”

“بري , ألا تعلمني شيئا إلا بتدميري ؟ أنت تنبش أسوء ما فيّ .
_ يا حسين , لا أدمّر حين أشير إلى دمار سابق , لن تتعلم دون أن تتألم .
-كيف ؟
– هل سمعت ب”التخلف العقلي “.
-نعم
– هناك تخلف قلب أيضا , قلبك معاق , نقطة , دع قلبك ينمو يا رجل”

“أن تتأمل نفسك يعني أن تفهم ماكنت تعرفه دائما من غير ان تفهمه . دائما كان قلبك يعرف معنى كن سمكة و كن شلالا حتى قبل أن تكتب الجملة كنت تعرفها , و لكن دون أن تفهم ما تعرفه”

Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out / Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out / Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out / Change )

Google+ photo

You are commenting using your Google+ account. Log Out / Change )

Connecting to %s