رحلة في الذاكرة: فلسطين من 2000-2010 عودة الى الوراء (2)

مقام السيدة سارة

ما يمني النفس بعد هذه المعاناة هوهيبة الحرم الابراهيمي من الداخل وذلك الشعور الذي لا يمحى بعد زيارته. فعند الوصول سيطالعك مقام (ستنا سارة) والذي ستجد أن الغرفة الموجود فيها هذا المقام مليئة بالقطع النقدية والتمائم. الى يمينه تقع نافذة مغلقة والتي من خلالها تطل على اثار لقدم سيدنا محمد (صلى الله عليه وسلم) كما يقال وقت الاسراء والمعراج والتي ما ان تضع يدك على موضعها حتى تمتلئ برائحة المسك. بعد أن تتخطى ممر طويل على يساره منطقة مرتفعة للصلاة تصل الى داخل المسجد. وما أن تلج الى الداخل حتى تطالعك مقامات غاية في الهيبة والجلال كبيرة الحجم مغطاة بالقماش الأخضر المذهب والتي تعود الى مقامات (سيدنا اسحق عليه السلام وستنا رفقة عليها السلام). السقف والأقواس بالداخل مزدانة بالأيات القرانية والألوان والزخارف الاسلامية والتي حلت مكان أعمدة الرخام المتآكلة، ستجد على العوارض العلوية قطع جميلة مزينة بخطوط جميلة ومزدانة باسم سيدنا محمد (صلى الله عليه وسلم) والخلفاء الراشدين أبو بكر وعمر وعثمان وعلي وحفيدي الرسول الحسن والحسين رضي الله عنهم أجمعين. في صحن المسجد ستجد أمامك منبر صلاح الدين مزين بالنقوش والزخارف الاسلامية الجميلة.

فتحة الغار الشريفالغار الشريف

اذا صوبت بصرك نحو اليمين، ستجد الغار الشريف وهو مقام بأعمدة أربع مزدانة بالزخارف يربض على سقفها قبة صغيرة وبالأسفل فتحة تطل على مصباح مضيء. هذا المصباح الذي يضيئ مغارة المكفيلا والتي بني المسجد فوقها ومدفون بها عدد كبير من الصالحين والأنبياء كما يقال. بالقرب من الغار الشريف توجد غرفة صغيرة تعج بالنساء غالباً واللواتي يأتين من أجل الدعاء عند مقام سيدنا ابراهيم الخليل. فمقام سيدنا ابراهيم يوجد بالجانب اليهودي من الحرم، – عذراً لقد نسيت أن أقول أن الحرم مقسوم بيننا وبينهم – ومقامات أبينا الخليل وسيدنا يوسف وسيدنا يعقوب وستنا ليقة عليهم السلام أجمعين موجودة بالجانب الاخر وقد سمحو لنا برؤية مقام أبينا الخليل، يا لكرمهم!!

يذكرني ذكر المقامات بمقام أحد الصحابة الذين شاركوا بمعركة أجنادين ويدعى الشيخ محمد والذي يقع بجانب منزل جدي في قضاء الخليل. فكما يقال أن معركة أجنادين قد حصلت بالقرب من منطقة عجور قضاء الخليل، ولقد انسحب الى قريتنا التي تقع بالقرب منها عدد من قادة الجند والى الان يوجد مقام ظاهر لأحد قادة الجند يسمى مقام الشيخ قيس. والجامع الكبير في القرية مبني فوق مغارة دفن فيها عدد كبير من الصحابة والأولياء والصالحين. اعتاد أعمامي ونحن صغار أن يصنعوا جريشة ويضعوها داخل مقام الشيخ محمد (أغلب المقامات معروفة بكلمة شيخ والاسم الأول للرجل الصالح) ويضيئوا له سراجاً من الزيت. وكم كنت أشعر بالخوف والرهبة من هذا الشيخ، ما أن يحل الظلام، ولن تجد أحد يقترب من الجدار الحجري القديم الذي يفصلنا عنه وكم من الليالي التي سهرتها خوفاً من أن يأتي لي بالحلم. كانوا يقصون علينا أنه في الليالي الصافية والتي لا تسمع فيه صوتاً سوى صوت الريح يمكنك أن تسمع صوت صهيل الخيول واصطكاك السيوف وكأن معركة المسلمين ما زالت قائمة الى الان. الا أنه الان وبعد مرور الوقت لم يعد للأسف أحد يهتم بمقام الشيخ محمد الا أن تلك القصص المحكية عنه ما زالت تدب الرعب في نفوس الناس فلا أحد يجرأ على الاعتداء على مقامه.

اعتدنا في تنقلاتنا ونحن صغار أن نركب التراكتر (التراكتور، الجرار الزراعي) من قريتنا الى أرضنا التي تقع خارج القرية على قمة الجبل. وكانت بالنسبة لنا نحن القادمون من عمان بمثابة الرحلة والمغامرة التي لا تنسى. كم كنت أنا وأشقائي نتقاتل من أجل الجلوس على جناح التراكتر بدلاً من العقلة (عربة طويلة مفتوحة السقف تركب بمؤخرة التراكتر). الا أن التنقل من مدينة الى أخرى لم يكن بهذه السهولة فهو والله ما تتمناه النفس ولكن الوقوع تحت الاحتلال شيء اخر تماماً. أذكر أنه قبل انتفاضة الأقصى بالعام 2000 كنت تستطيع أن تستأجر سيارة سياحية وتتنقل بين الخليل ورام الله وأريحا وبيت لحم ونابلس وجنين أو أن تدخل الى القدس تهريب (في بعض الأماكن يمكنك أن تدخل اليها لكن من الجانب الاسرائيلي حيث سترى المسجد الأقصى رابضاً في الأعلى شامخاً شموخ الجبال). ولكن بعدها زاد التضييق على الحركة وانتشرت الحواجز الأمنية المعروفة ب (المحسوم) وزادت رحلة المعاناة والذل للمواطن الفلسطيني الى درجة لا تطاق.

ومع بناء ذلك الجدار القذر جدار الفصل العنصري الذي شوه وجه المكان لن تجد سوى دمعة تسللت على الوجه (كما يقول تميم البرغوثي) اذ ترى هناك في الأفق القدس الشامخة يفصلك عنها ذلك القبح المسمى بالجدار اذا ما مررت ببيت لحم متوجهاً الى الخليل. اذكر في فجرالعودة الى الأردن في العام 2004 – اذ عليك أن تسري قبل الفجر عند الثالثة صباحاً اذا ما أردت أن تصل الى أريحا بحلول السادسة صباحاً في تلك الأيام – أوقفتنا دورية مجندين اسرائيليين على محسوم الخليل للتدقيق على الهويات وبدأ أحدهم بالتذاكي علينا، فهم كما تعلمون قد ملّوا من الانتظار بدون عمل، وبدأوا بطرح أسئلة لا علاقة لها الا باذلال هذا الشعب المسكين. طرحوا علينا أسئلة مثل هل يجوز بدينكم أن تتطلع الفتاة على الرجال، واذا أجبت ب لا سيتبعونك بماذا اذاً تصف الفتاة اذا فعلت ذلك ويمكنكم تخيل بقية الحديث اللاهي الذي لا فائدة ترجى منه الا التسلية على حسابنا.

وأما اذا وصلت الى محسوم بيت ساحور وقبل أن تصل وادي النار (منطقة جبلية خطرة بحيث عليك أن تنزل الجبل الى واد سحيق باتجاهيين والطريق ضيق وبالأسفل مقبرة للعديد من السيارات التي تدهورت وانتهى بها المطاف بالأسفل)، ستجد سيلاً من السيارات والحافلات والراجلين وكل ما يخطر ببالك بانتظار المجنديين على المحسوم أن يسمحوا لنا بالعبورواكمال الطريق. طول الانتظار والذي قد يستمر الى الساعة السادسة صباحاً كفيل بأن يفقدك كل ذرة عقل تكون قد تبقت لديك ووالله لا أعرف كيف كان الفلسطينيون يتدبرون أمورهم يومياً على هذا الحال وما بالك ان كان هذا يخضع الى أهواء المجندين على المحسوم. ولا يكتفي المجندون على المحسوم اذا ما جاء دورك بالعبور بأخذ هويات كافة ركاب السيارة، والتدقيق عليها، ثم التدقيق بين الركاب وصورهم بل ربما قد يُسمح لك بالعبور وارجاع بقية من في السيارة من حيث جاؤوا لتجد نفسك مكملاً الطريق راجلاً الى ما بعد المحسوم واكمال الطريق مع احدى سيارات الأجرة.

ووالله تدفعك هذه الأعمال الى كره نفسك وكره كل شيء يطلق عليه اسم هوية، فمنذ انطلاقك من جسر الملك حسين وبعد التدقيق على جواز السفر في الاستراحة الأردنية، تنطلق بك الحافلة الى اخر نقطة يسمح فيها بالتواجد الأردني، اذ يأتي الضباط الأردنيين ويقومون بأخذ جميع جوازات السفر والتساريح الاسرائيلية للتدقيق، ولا يسمح للحافلات بالتحرك الا بعد الحصول على الاذن من الجانب الاسرائيلي وبأعداد محدودة فقط على مدار الساعة. ثم بعد عبور تلك المسافة القصيرة المسماة مجازاً الجسر الخشبي، حتى تصل الى نقطة تفتيش اسرائيلية حيث يقوم ضباط اسرائيليون بجمع جميع الهويات الفلسطينية والتساريح وانزال جميع الركاب من أجل تفتيش الحافلة مع ترك جميع متعلقاتك بالحافلة واستخدام الكلاب للبحث عن المتفجرات. ثم عند الوصول الى استراحة اليهود، تتم عملية ادخال الحقائب والأفراد حيث يقومون بتدقيق الهويات الفلسطينية والتساريح مرة أخرى عند الدخول من خلال النوافذ الثلاث السابق ذكرها. عند الأبواب الكهربائية أيضاً يتم الاضطلاع السريع على الهوية والتسريح ثم بعد تجاوزها تتم عملية تدقيق أخرى على شكل طوابير تصطف بانتظار تدقيق الأمن الاسرائيلي التابع لوزراة الداخلية. بعد الانتهاء، تتم عملية تفتيش للحقائب من قبل الجمارك الاسرائيلية وحيث كانت سابقاً تتم بنفل جميع الحقائب وفتحها وتفتيش كل جزء منها!! وبعد الانتهاء تتوجه الى استراحة أريحا حيث الامكانية أن تخضع لتفتيش اخر للحقائب من أجل الجمارك وكأن حياة الفلسطيني اختزلت برحلة بين صورة هوية وحاجز.

على الرغم من تحسن الطرق وتوسعتها على جانبي وادي النار كما لاحظنا بزيارة العام 2010 الا أن القصص التي يرويها العمال الفلسطينيون المتوجهون فجراً الى أعمالهم فيها من العجب العجاب ما لا يسمح به المقام هنا الى ذكره.

مقام سيدنا ابراهيم 1

مقام سيدنا ابراهيم 2

سقف المسجد الابراهيمي

منبر صلاح الدين

محراب المسجد الابراهيمي

Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out / Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out / Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out / Change )

Google+ photo

You are commenting using your Google+ account. Log Out / Change )

Connecting to %s