رحلة في الذاكرة: فلسطين من 2000-2010 عودة الى الوراء (1)

بوابات الحرم الابراهيمي

هناك على الحاجز الأمني يقف مجندان اسرائيلييان مدججان بالسلاح وأنا على أهبة الاستعداد للدخول في مشاجرة كنت أعد لها منذ أشهر، منذ أن رأيت صورة المستوطن الحقير وهو يرشق مواطنة فلسطينية في الخليل بالخمر في شهر رمضان وقرأت عن منع اقامة الأذان والصلاة بالحرم مرات عديدة. حينها، أقسمت أن أدخل الحرم الابراهيمي رغماً عن أنف اليهود وأخبرت زملائي بالعمل “يمكن ما أرجع بس أَرَوّحْ عالضفة لأني ناوي أعمل مشكلة معاهم”. لا أدري هل أراد الله أن يرحمني أو يرحم شقيقي الأكبر والذي يعيش منذ فترة هناك ولكن الجندي سمح لي بعبور البوابة الالكترونية الأولى بسلاسة. كنت أنا وشقيقتي الصغرى وشقيقين لي نتمشى في أسواق الخليل حين قرر شقيقي الأكبر أن يأخذنا الى السوق القديم (سوق العتمة) ومنها نكمل الى الحرم الابراهيمي لصلاة الظهر.

ووالله لا يزيدك منظر هذا السوق الى حرقة وألم. ما زلت أذكر تلك الأيام عندما كان جدي يأخذنا الى هناك كلما قضينا الاجازة الصيفية بقريتنا بقضاء الخليل، هنا أتذكر عندما كنت طفلة صغيرة رأيت لأول مرة جملاً مذبوحاً من أجل البيع. كان كبيراً جداً وشعرت بالخوف الشديد من مظهره وهو معلق على باب السوق حينها أخبرني جدي أنه لحم جمل واذا أردت يمكنه شراء قطعة من اللحم من أجلي. حينها ومن الخوف الشديد رفضت بشدة وكلما اقترب موعد عودتنا من السوق مروراً به مرة أخرى كنت أدعو لو أن طريقاً جديداً ينشق لأجري مسرعة هرباً من سلوك باب السوق ولكن أين المفر فهو مدخل واحد من والى السوق كان لزاماً عليك سلوكه. ستجد الان الكثير من الدكاكين والمحال مغلقة بأبوابها الخضراء الكبيرة، الصرف الصحي سيء للغاية والروائح الكريهة تعج بالمكان.

أكثر الأشياء المعروضة هي من أجل السياحة فستجد كل ما يخطر ببالك من ميداليات ترمز لخارطة فلسطين وحنظلة ومفتاح العودة، البطاقات البريدية التي تحمل صوراً للحرم الابراهيمي ومقامات الأنبياء والأعمال الزجاجية التي تمتاز بها مدينة الخليل وستجد أن ما تبقى من مصنع الصابون بالسوق هو بقايا الأدوات القديمة. في المنطقة الممتدة من سوق الخليل الخارجي الى أن تصل المنطقة المسقوفة من سوق العتمة، ستجد أن سقف الفضاء الخارجي مغطاً بالشبك لمنع سقوط فضلات المستوطنين الذين يقطنون في البيوت التي تعلو السوق وكل ما يمكن تخيله من قاذورات ومياه عادمة وكل ما تتمتع به النفسية الصهيونية من قذارة وقبح. لكن والله رغم محاولات الاحتلال تشويه وجه السوق القديم الا أن تلك الوجوه المليئة بتجاعيد الزمن هي من يزين هذا السوق ويملؤه بهاءاً وأمل.

عندما حان دور أختي في العبور أوقفها المجند وطلب تفتيش حقيبتها وعندما لم يجد شيئاً أخذ مراّة صغيرة كانت معها ووضعها على الحاجز وأخبرنا أنه يمكننا أستعادتها بطريق عودتنا. حينها لم أتمالك نفسي من الضحك فوالله لو أنه فتح حقيبتي لاحتجزني بتهمة الارهاب اذ انني بمثل هذه الحالات أكون مسلحاً بكل شيء يمكن أن يلزمني فستجد خزانة كاملة موجودة بحقيبتي أضف عليها كاميرا التصوير التي لم أكف عن استخدامها الا عندما طلب شقيقي مني ذلك عند وصولنا الى الحرم حتى لا يصادروها ومقص أظافر أحمله معي دائماً كأداة دفاع عن النفس. عند الحاجز الثاني – فأنت عزيزي الزائر للحرم الابراهيمي عليك تخطي عقبات ثلاث قبل أن تفوز بدخول الحرم – رن الباب الكهربائي عندما مررت من خلاله والسبب حزام البنطال الذي ألبسه. رفضت حتى أن أفكر في خلعه وعندها تدخل أخي الذي يتقن العبرية وأخبره أننا قادمون من الأردن وحينها سمح لنا المجند بالعبور وكذلك اجتزنا الحاجز الثالث.

كلما رأيت هذه الحواجز والمجندين المدججين بالسلاح أتوه بين الحيرة والألم. أحار بين غباء أقوى جيش بالعالم والألم الذي لا بد لك أن تستشعره ممزوجاً بالقهر كلما عبرت الجسر(جسر الملك حسين، جسر اللنبي،… سمه ما شئت) باتجاه فلسطين من الأردن. من بين الزيارات التي أتذكرها هي تلك في الفترة الممتدة بين 2000-2010، والله لا تبقى بالذاكرة الا المعاناة على الجسر سواء بطريق الذهاب أو العودة. أذكر عندما كنا صغاراً كيف كانت عملية التفتيش تتم بقمة الاهانة والذل وهو التفتشي العاري بالايدي. هناك عندما يتم ادخال الرجال والنساء الى غرف منفصلة حيث يقوم المجندون بتفتيش الناس بعد أن ينزعوا عنهم لباس الكرامة والانسانية. وما أذكره بالزيارات المتتالية منذ أن أدخلوا الأبواب الالكترونية والتي تشبه تلك الموجودة بالمطارات، والتي كانت تزن (ترن، تطلق جرس) على كل شيء، ساعات، نظارات، أحزمة البناطيل، قطع ذهب (في زيارة العام 2000 كانت تزن عليها ولكنها فيما بعد والله أعلم لم تعد تعتبر أداة تفجير)، الأحذية التي تحتوي على قطع حديدية والتي اذا زنت عليها كما حصل معي عليك اعادة المرور عبر الجهاز عاري القدمين، والقائمة تطول وكل ما ستقع عليه عيناك في هذه الأوقات هم الرجال يخلعون كل هذه الأشياء قبل الوصول الى الجهاز حتى تتم عملية العبور بسرعة.

زيارتنا في العام 2000 كان قبل انتفاضة الأقصى فكانت الأمور تجري بسلاسة أكبر الا أن الزيارة الثانية في العام 2004 تركت أسوأ الأثر في نفسي وخصوصاً من الجانب الفلسطيني، فلقد كان التنظيم والله يشبه تنظيم كل شي الا تنظيم البشر. أذكر ذلك جيداً حيث أن عودتنا الى الأردن كانت أشبه بحلم صعب المنال ووالله كم وددت أن أقبل ترابه عندما وصلنا الى جسر الملك حسين عائدين. كان وقتها قيظ الحر قد أعمل بنا ما أعمل، تزامنت عودتنا مع توجه مجموعة من الفلسطينيين المعتمرين الى مكة مروراً بالأردن وعودة العائلات قبل بدء العام الدراسي. ولقد كانت الأعداد هائلة ولتعتقد أنها يوم الحشر، لم تحتمل استراحة أريحا هذه الأعداد، ومع انتشار البعوض في فترة الحر تلك وامتلاء المكان بالأطفال والصراخ والبكاء وفاضت المياه بالمرافق الصحية ، ونام المعتمرين اياماً على الطريق وكانت محاولة الدخول من باب الاستراحة كيوم الفتح، اذ لا توجد صفوف للدخول وعليك أن تقتحم المكان كالاخرين. ووالله لا أنسى كيف أن الصعود الى الحافلة كان معجزة وتفرقت عائلتنا بين راكب وراجل عدة مرات قبل أن يلتم شملنا. كم أكره تلك الأيام ولكن ما يمني النفس أنه مع زيارتي لها في العام 2010 كان التحسن فيها قد بدا واضحاً سواء على استراحة الأردن أو استراحة أريحا. أصبح الدخول يتم على الأرقام بشكل منظم وأكثر مراعاة للحس الانساني العربي المرهف.

أسهبت بالحديث عن المعاناة ونسيت تلك الحادثة التي تنم لا أعلم حقاً عن ماذا!! في زيارة العام 2010، حدثت معي الكثير من الأمور الغريبة، فبعد أن رأيت ما رأيت على استراحة الأردن حيث اختفى جوازي السفر لفترة عند المدققين، وبعد أن كانت عائلتي قد أنهت جميع الاجراءات بانتظار عطوفتي أن أنتهي منها، وبعد أن أضعنا عدة حافلات كانت قد انطلقت بهذه الأثناء، جاء الفرج حيث نادوا على اسمي واستلمت جوازي وانطلقنا الى استراحة اليهود (هكذا نطلق على جميع نطاق التفتيش من الأردن الى فلسطين، استراحة الأردن، استراحة اليهود، استراحة ريحا). قبل الدخول الى الاستراحة وقبل الوصول الى ذلك الجهاز اللعين والذي اصبحت أختصر على نفسي ولا ألبس أي شيء يمكن أن يزن عليه الجهاز، يطالعك ثلاث نوافذ حيث ينادي عليك ثلاث مجندين للاطلاع على أوراقك. عندما نادى علي ذلك المجند، بدأ يتحدث الي بالعربية المكسرة وأنا لرفضي أن يشوه المحتل حتى لغتي أبيت الا أن أكلمه بالانجليزية. ويا للهول هذا المجند يبدو أنه لا يفهم الانجليزية، وبقي يسألني هل أنا متزوجة وعندي أطفال وأنا أقول له لا ولو كان معي أطفال لوجدتهم معي!! وانتهى الحوار بأن أعطاني ورقة فهمت فيما بعد أنها من أجل وزارة الداخلية الاسرائيلية. الذي تبادر الى ذهني أنا ووالدي أنه ربما أرادوني أن أراجع المخابرات الاسرائيلية والذي هو شيء عليك أن تتوقعه بكل حال ما دمت قد تجاوزت ال18 من العمر فما بالك اذا وجد على جواز السفر ختم من زيارة سابقة الى لبنان.

بعد أن تجاونا ذلك الجهاز اللعين توجهنا نحو طابور اخر من التدقيق على الأوراق وفي هذه المرة تحدثت الي مجندة اسرائيلية. أخبرتها عن الورقة اذ انني اردت أن أعرف ماذا يريدون مني وباللغة الانجليزية مرة أخرى، ولكن يبدو أن هذه المجندة تعرف الانجليزية على خلاف زميلها الأحمق وسألتني هل عندك أطفال، قلت لها لا فأنا لست متزوجة لأجد أن ذلك الأحمق قد أعطاني ورقة مرافق لطفل صغير لا أعرف أين راه!! ولقد سألتني لأكثر من مرة أنه اذا أخذت هي هذه الورقة فان صغيري المزعوم سيتم ارجاعه عن الجسر ولن يأتي معي!! يا الهي ويا لحرصها وطيبة قلبها. يحضرني عندما أتذكر هذا الموقف مقطع من فيلم وثائقي يحكي عن معاناة الفلسطينيين على الحواجز وكيف أنه بأحد المشاهد أراد رجل كبير السن أن يُفهم المجندين أنه يريد أن يأخذ طفلته الصغيرة الى المستشفى بالانجليزية وكان رد المجند بعد أن ذهب الرجل أنه يا الهي كيف يمكنني أن أستوعب كل هذه اللغات!!

سوق الخليلسقف سوق الخليل

استراحة جسر الملك حسيناستراحة أريحا

Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out / Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out / Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out / Change )

Google+ photo

You are commenting using your Google+ account. Log Out / Change )

Connecting to %s