ثرثرات عن القراءة

Man Reading Book and Sitting on Bookshelf in Library

وحيداً في غرفتي وعلى ضوء المصباح الخافت أشهر أسلحتي… على يميني كتاب وعلى يساري فنجان من القهوة (وعلى الرغم من أنني لا أشرب القهوة الا أنه يجب أن يكون هناك فنجان من نوع ما… نسكافيه، شاي… لا يهم) وعلى عيني تقف نظارات القراءة منتظرة اعلان ساعة الصفر حتى تبدأ عيني في سبر أغوار الكتاب الذي بين يدي… هذا ما يخطر ببالي كلما هممت بقراءة كتاب، صحيح أن هذا المشهد يحدث فقط في مخيلتي الا أن للقراءة في عقلي الباطن طقوس لا أدري من زرعها هناك… وكالعادة لا تستغرق هذه العملية أكثر من إمساك الكتاب والشروع بالقراءة !! الا أن لنظارات القراءة رونقها الخاص… فهي كما يتم تصويرها دائماً في الأفلام ما أن ينتهي أحدهم من القراءة حتى ينزعها ويضعها على الكتاب المغلق… وكلما حاول أحدهم أن ينصحني باستبدالهما بالعدسات اللاصقة أصابني الجزع ولسان حالي يقول: ماذا عن وضعية  القراءة !! … ويصدف كثيراً أن أتناول أحد الكتب وأشرع بالقراءة أثناء المشي وكلما غرقت في الأحداث أكثر انغرزت قدماي كالمسامير في الأرض وأصاب بحالة من الصمم حتى أن عائلتي كثيراً ما تطلق على هذه الحالة حالة نوم الحصان… حيث تنام الأحصنة مفتوحة العينين وهي واقفة !!

ما أن ينتهي الكتاب حتى يبدأ الماراثون داخل عقلي… فاذا صدف أن يكون الكتاب قد ضربني في مقتل، أي حفز جميع خلايا عقلي الرمادية كما يقول هيركويل بوارو عندها تبدأ الأفكار تتزاحم في عقلي… وما يحدث هناك تترجمه قدماي على هيئة مشي متواصل ذهاباً واياباً… يذكرني هذا الطقس كثيراً بساعة الفسحة عند السجناء… فكما هو معروف يُسمح للسجين بالتفسح خارج الزنزانة فترة من الزمن يقضونها عادة بالمشي ذهاباً واياباً في الساحة… لكن كثيراً ما لا يتسع المكان في عقلي للعاصفة الفكرية التي تجتاحني وأشعر بالضيق داخل رأسي فلا ألبث أن أقع صريعاً لمحدودية المكان وأنوي عدم قراءة هذه النوعية من الكتب الا اذا أتيحت لي الفرصة للقراءة في مكان فسيح وهو ما لا يحدث عادة… أما اذا كان الكتاب من تلك النوعية التي تجعلك تنفض الغبار عن ملابسك بعد الانتهاء فكل ما أفعله هو أن أغسل وجهي محاولاً أن أزيل ما علق على عيني من كلام خشية امساكي متلبساً بتهمة القراءة العبثية !!

غسان كنفاني

غسان كنفاني

لا أنكر أنه تصيبني في كثير من الأحيان حالة من الحمق تجعلني أرغب في تخيل شكل الكاتب أثناء الكتابة خصوصاً اذا كانت هذه القراءة الأولى له ولم تتح لي الفرصة البحث عن تاريخه !! لطالما طبعت تلك الصورة في مخيلتي، السيجارة في اليد اليسرى والجبين متكئ عليها، والقلم منهمك في الكتابة وتلك النظرة التي تكاد تصرخ: يوريكا… وجدتها وجدتها… لم أكن أعلم حينها أن هذه الصورة لغسان كنفاني الا أنها أصبحت الصورة النمطية لدي عند تخيل أي كاتب !! تماماً مثل تلك الصورة النمطية التي يملكها والداي عن الرسامين فهم دائماً مهلهلو الثياب، مشعثي الرأس ويدخنون بشراهة !! السيجارة أيضاً لها مكانتها الخاصة عند الكتّاب !! غسان كنفاني، محمود درويش، ألبير كامو، جورج أورويل، مارك توين وغيرهم… لا أدري ما هو السر وراء هذا الطقس وربما علي أن أكف عن التساؤل ليرتاح ضميري وأقنع نفسي أنه جزء زائد في المشهد لا أكثر…

old city of jafa

يحدث كثيراً أن نتعلق بكاتب/ة معين/ة حيث يتركون أبلغ الأثر في نفوسنا… نسخط عليهم اذا لم يرقوا بكتاباتهم الى ما عهدناهم عليه من كتابات سابقة أو نرفعهم الى مصاف النجوم … قليلاً ما تجد القارئ الذي يتجاوز حالة “يا ابيض يا اسود” الى درجات الرمادي عند تقييم الكتاب… أي الموضوعية في تناول العمل على أنه حالة منفردة تختلف عن سابقاتها من التجارب مع الكاتب… الا أن تلك العلاقة الخفية التي تجمعنا مع الكتّاب الذين نحبهم تضفي طابع من الجمال على الحياة… أذكر أنه في زيارتي الى بيروت لم أتوقف عن البحث عن آثار غسان كنفاني ومحمود درويش وغادة السمان وأحلام مستغانمي في المقاهي وعلى شاطئ البحر…. وكلما عبرت جسر الملك حسين من الأردن الى فلسطين أذكر مريد الرغوثي في رأيت رام الله وما أن تذكر الأندلس حتى أرى رضوى عاشور في غرناطة… القدس أراها بصوت تميم البرغوثي… العربية تذكرني بأبي فهر محمود محمد شاكر ولا توجد عبقرية الا في عبقريات العقاد… وقد يلتبس عليك في بعض الأحيان وتتصور أن الكاتب يقص عليك حكايتك بكلماته كما في ضوء حسين الأزرق !! تلك الحكايات المرتبطة بالمكان لها رونق خاص يجعلك تشعر بحالة ديجافو وكأنك عشت هنا في حياة سابقة…

اقرأ باسم ربك الذي خلق

على الرغم من تعدد الأسباب التي تدفعنا الى القراءة إلا أنه ينبغي أن لا تتحول الى عملية ميكانيكية تهدف الى استهلاك الكتاب كمّاً بشكل سطحي… يعجبني ما قاله المفكر علي عزت بيجوفيتش من أنه “يتحدث اليك الناس يخرجون من افواههم قطعاً من هيجل و هايديجر او ماركس في حالة اوليه غير مصاغة جيداً” أي علينا أن نفكر جيداً وأن نحلل هذه الأفكار قبل أن نتبناها فالكاتب قبل أن يتحول الى الكتابة كان مثلي ومثلك أحد القرّاء قبل أن يتبنى أفكار من سبقوه أو يشكل تصوراته وأفكاره الخاصة… يقول شادي عبدالسلام في كتابه (اقرئي يا بلادي): ” اقرأ ما يفيدك، وإن استفزك! اقرأ ما يصدقك، وإن أوجعك! اقرأ ما يجعلك تفكر، وإن أجهدك! اقرأ ما يثير خيالك، وإن صدمك ! اقرأ ما يجبرك على احترامه، وإن خالفك ! اقرأ… وبلا همزة تحت الألف أو فوقها، وإن أزعجك! “… ويكفي أن خاطبنا الله عز وجل وقال “اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ”…

Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out / Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out / Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out / Change )

Google+ photo

You are commenting using your Google+ account. Log Out / Change )

Connecting to %s